رمزية الحياء وتجنيس الفضيلة

عرض المادة
رمزية الحياء وتجنيس الفضيلة
1726 زائر
22-05-2013
ملاك الجهني

لا يكاد يُذكر الحياء إلا ويتداعى معه إلى الذاكرة قول الشاعر:

يعيش المرء ما استحيا بخير *** ويبقى العود ما بقي اللحاء!

واللافت في الحقيقة أن الارتباط الوجودي بين خيرية العيش والحياء، كالارتباط بين العود واللحاء باقٍ أبدًا.

وإن بات اللحاء المعنوي يقاوم بشدة عوامل التعرية المعاصرة التي تدفع به للتفتت والتلاشي، في عالمٍ أزال كافة الحواجز، وفتح النوافذ جبرًا لريح عاتية أخذت تعيث في الداخل بعد أن عاثت في الخارج ولم يعد هنالك ما هو بمنأى عن عصفها في الخُلق والذوق والعلاقات...

والحياء من كليات الأخلاق الإسلامية، وهو عامٌ للذكر والأنثى، إلا أنه ألصق بالمرأة من جهتي الطبيعة والأحكام، فقد جاءت الأحكام لترعاه وجعلت حفظه مقصدا من مقاصدها، وقبل هذا هو من صميم فطرة المرأة، فالصورة الذهنية للمرأة - ومنذ الأزل - مضرجة بحمرة الخجل، وانكسار البصر في حضرة الرجل، وقلّما توجد امرأة لم يعتريها يومًا ذلك الارتباك الجميل، سواء بقي حاضرا بقوة في شعورها، أو خَفَت، أو غادرها لسبب أو لآخر.. وتطوافٌ سريع في سجلات الأدب العالمي أو مخزون القصص الشفهي يوقفنا مرارا وتكرارا على هذا الوصف وما يضفيه من جمالية فريدة على الأنثى مما يشير إلى كونه مشتركا أنثويا عاما يحمل دلالة رمزية خاصة!.

وقد احتفى القرآن بالحياء الفطري كما في قصة موسى - عليه السلام - والفتاتين اللتين جاءته إحداهما (تمشي على استحياء)، واهتمت تشريعات الإسلام بحفظ هذه الطبيعة ورعايتها حتى في القرارات المؤثرة في حياة المرأة كالزواج، فاعتبرت صمت البِكر إذنًا ساري المفعول كقولها، ولم تطالبها بكسر هذا الحاجز وتكلفِ أمرٍ يصادم طبيعتها ولو كان مجرد النطق بكلمة واحدة لا تتجاوز بضعة أحرف تعبّر عن قبولها أو رفضها لشريك الحياة المقترح!.

ومن تحيزات الثقافة الشعبية قصر الحياء على المرأة واعتباره منقبةً لها، منقصةً في حق الرجل، على أن الحمولة الرمزية الأنثوية للحياء والتي تتجلى في تنصيب حياء العذراء المخدرة نموذجا معياريا يقاس به مستوى هذا الخلق، والذي قورن به وتفوق عليه حياء سيد البشر نفسه - عليه الصلاة والسلام -، هذه الحمولة لم تكن سببا لتجيير الحياء لحساب المرأة وذمّه في حق الرجل أو تجريده منه، وما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - يقف على النقيض تماما من هذه الرؤية فقد نهى عن محاولة استئصال هذا الخلق أو تبديده ذاكرًا أثره الإيجابي، وذاك حين رأى رجلاً يعظ أخاه في الحياء فقال له: ((دعه، فإن الحياء لا يأتي إلا بخير)).

والمتأمل في الحديث السابق، وقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((ما كان الفحش في شيء إلا شانه، ولا كان الحياء في شيء إلا زانه)) يلحظ اصطفاف القيمة الأخلاقية إلى جانب القيمة الجمالية في الحياء، كما يلحظ شمولاً في موضوعاته بما لا يحصره في محيط العلاقات بين الجنسين وحسب فهو خلق عامٌ وشامل.

الأمر الذي ينفي بوضوح ما يتردد كذلك في الخطابات التحررية المناوئة، والتي لا تمل القفز المتواصل من الاجتماعي للديني لتصمه هذه المرة بتجنيس الفضيلة أو تأنيثها بمطالبة المرأة وحدها بالتمسك بها دون الرجل، فإذا كان هذا هو موقف الإسلام من فضيلة ارتبطت ذهنيا وتاريخيا بالمرأة فكيف بغيرها من الفضائل!.

وإذا كانت الثقافة الشعبية تعاني من رجعية وتخلف أو قصور وتشوه في التصور والممارسة في هذا الجانب نسبة لما يطرحه الإسلام، فالتقدمية تكون بالسير بالمنتمين إلى الإسلام نحو التصورات والأحكام الشرعية وبسط هيمنتها عليهم مجددا، وعلاج التطبيقات الخاطئة يكون بالتحاكم للمثال والتصحيح على ضوئه، وليس بمحاكمته وتحميله أوزار تلك الثقافة وما اجترحه أبناؤها مما لم يكن التصور الديني باعثهم عليه من قريب أو بعيد، بل ربما ألبسوا هذا التصور أزياءً شعبية متعددة تعبر عن رؤاهم وموضوعاتهم الخاصة لا عن الحقيقة الدينية!

كما يفعل غيرهم بالمقابل حين يخلع على المفاهيم الغربية زيا إسلاميا لتبريرها أو تمريرها، دون أن يحاول أيٌ من الفريقين الاقتراب من الحقيقة الدينية ذاتها، لكشفها، وإزالة ما علق بها مما ليس منها، وتقديمها بنقائها الأول.

وبالعودة لنصوص الحياء بل لمختلف النصوص الداعية للتخلق بالأخلاق الفاضلة والمبينة لمكانة حُسن الخلق في الإسلام، لا نجد مطلقا ذلك التخصيص بالمرأة، بل نجد تعميما يتناول الجنسين كقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خُلقا))، وقوله: ((الحياء من الإيمان))، فدخلت جميعا تحت مظلة الإيمان، والإيمان -بلا شك- ليس خصيصة أنثوية!.

وعلى الرغم من تلك الحفاوة بالحياء الفطري والثناء عليه وصيانته، والمشابهة بينه وبين الحياء الإيماني الذي ورد في الشرع وطولب به المؤمنون، كما في الحديث أنه - صلى الله عليه وسلم - أوصى صحابياً بأن يستحيي من الله كما يستحيي من الرجل الصالح من قومه، إلا أنه - عليه الصلاة والسلام - لم يجعله مُحدِدًا للحياء الإيماني الذي وصفه بأنه (حق الحياء) وعرّفه لأصحابه رضوان الله عليهم بقوله: " أن (تحفظ) الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، و(تذكر) الموت والبِلى... ".

فأضفى بتحديده هذا على الحياء طابعًا إجرائيا خرج به عن كونه حاجزا نفسيا لا إراديا، أو دفقة دمٍ تصبغ الوجنتين، أو ارتعاش كفّين، أو تردد وانقباض وممانعة، أو غيرها من تجليات الحياء الفطري التي لا طاقة للإنسان بدفعها، ولا اختيار له في انبعاثها في نفسه وطفرتها على محياه ابتداء.

فالحياء الإيماني اكتسابيٌ من جهة، مرتبطٌ بالوعي والإرادة من جهة أخرى، ففطرية الحياء تجعله عرضة للتأثر بالتنشئة الاجتماعية التي قد تعمقه وترسخه، أو تسلخه وتهدره، إلى جانب مؤثرات أخرى خارجة أحيانا على إرادة الإنسان كالمخالطة والخبرة والتجربة والتي تنتقل بصاحبها من حالٍ إلى حالٍ دونها في الحياء، انتقال المرأة بالزواج من البكارة إلى الثيوبة، والتي لا تخولنا القول - بالمثل- أن المرأة انتقلت معها من مستوى إلى مستوى آخر أدنى منه في الإيمان وإلا لكان للزواج تأثير سلبي على الفضيلة الإيمانية، وهذا تناقضٌ لا يقره الشرع ولا يقبله العقل، بخلاف التحديد النبوي السابق الذي لا تؤثر فيه مثل هذه المؤثرات ويُبدي تآلفًا وانسجامًا بين فضائل الشرع ومسنوناته (حياءً، واستعفافا بالزواج)، كما يتمتع هذا التحديد بقابلية عالية للتفعيل في زمن تكاثرت فيه المؤثرات على سلامة الفطرة وغادرت فيه كثير ممن كان يضرب بهن المثل في شدة الحياء خدورهن، وتسللت إلى مخادع بعضهن صور شتى من الاختلاط والعلاقات المحرمة عبر وسائل التقنية المختلفة، مما يجعل الحديث عن استدعاء أو تحريك الحياء الفطري عند شريحة من الإناث فضلا عن الذكور ضرباً من التفكير في المفقود!.

فوحده الحياء الإيماني يحتفظ بتأثيره العميق في الفِطر المتغيرة بسوء التنشئة، يُقوّم انحرافها ويحدو صاحبها ليُقدم بوعي، ويمتنع بوعي، ويظل قادرا على الاستمرار في الإقدام والإحجام في الخير والشر بحسب منسوب الإيمان في نفسه، مهما تغيرت الظروف ومهما كان ماضيه ملطخًا بالخطايا..

إنه باختصار: الحياء مع المقدرة / وعند المقدرة!

وإذا كان الحياء رأس الفضيلة فهو أكثر ما ينفي دعوى تجنيسها، وأجدر ما يمثل حقيقة مقررة مفادها أن الأصل هو تساوي الرجل والمرأة أمام أحكام الشريعة.

وهذه الحقيقة لا تلغي حقيقة أخرى تجاورها ولا تقل أهمية عنها، وهي أن التفريق بين الجنسين في (بعض) الأحكام واقعة ثابتة لا يدفعنا ضغط مفهوم المساواة في الأدبيات الغربية والفعل السياسي الأممي لإنكاره ولا التحيل عليه لإظهاره ببزتها، لكنه تفريقٌ بمقتضى الحكمة التي لا تتخلف أبدا عن قضاء الله وأمره، وكلما تكشفت هذه الحكمة كشفت عن أسباب موضوعية ملأت تجلياتها العلمية المعاصرة - في مختلف الجوانب البيولوجية، والسيكيولوجية، والفسيولوجية- أرفف المكتبات الغربية قبل الإسلامية، في حين تُفرق الثقافة الشعبية بين الرجل والمرأة بمقتضى التعالي المستند بالأساس لمنطق القوة، والذي إن صمد موضوعيا في ناحية، انهارت أركانه في نواحٍ أخرى..وشتان ما بين الأمرين!..

http://islamselect.net/mat/96452

   طباعة 
0 صوت
 
 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
8 + 8 = أدخل الكود
 
 
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة

المواد المتشابهة المادة التالية
 
 
جديد المواد
جديد المواد
بين حملة إسقاط الولاية وتقرير وزارة العمل - المقـــــــــــــــــالات
من حياد الأرصفة إلى معمعة الأسفلت ! - المقـــــــــــــــــالات
 
 
القائمة الرئيسية
 

البحث
البحث في
 

القائمة البريدية

أدخل بريدك الالكتروني لتصلك آخر اخبارنا
 

عدد الزوار
انت الزائر :44325
[يتصفح الموقع حالياً [ 3
الاعضاء :0الزوار :3
تفاصيل المتواجدون