هجاء الرجل في الشعر النسائي الشعبي : فروض الأزمة وأزمة النسق

عرض المادة
هجاء الرجل في الشعر النسائي الشعبي : فروض الأزمة وأزمة النسق
865 زائر
03-08-2017
ملاك إبراهيم الجهني

هجاء الرجل في الشعر النسائي الشعبي

فروض الأزمة وأزمة النسق

.

.

.

.

تندرج كتابة المرأة في شعر الهجاء ضمن كتابتها في الأغراض الشعرية الأخرى، وقد كانت كلمات المرأة من الموجعات والموثبات التي أشعلت الحروب كما في أبيات البسوس الشهيرة التي أشعلت الحرب بين قبيلتي تغلب وبكر بن وائل سنينًا طويلة.

وقد طرقت الشاعرات باب الهجاء في الشعر الشعبي كما في الفصيح، غير أن المرأة تسيء أحيانًا للمرأة في سياق هجائها للرجل، ولا أعني الإساءة لشخصيات نسائية بعينها، فللشاعرة أن تهجو المرأة كما تهجو الرجل ولا فرق، بل أعني الإساءة لجنس المرأة، ويتجلى هذا المعنى لدى بعض شاعراتنا هذه الأيام كما في قول الشاعرة :

.

القول ما قالت من المبطي حذام = يضيع شور الرجل لا طاع الحريم

.

بهذا البيت ردت الشاعرة (بنت المملكة) في قصيدة هجائية على شاعر قطر خليل الشبرمي، وأتبعت بيتها بيتًا آخر سلبت فيه خصمها الآخر في القصيدة الرّشد بقولها :

.

وانتَ تقلّب بين موزة والغلام = عمتك موزة مع غليمها تميم

.

وبقراءة موازية لهجاء الشاعرة للشبرمي نلحظ هجاءً آخر يظهر بموازاة هجائها للرجل ألا وهو هجاء الشاعرة للمرأة نفسها، فالشاعرة في البيت الأول أسست هجاءها على قاعدة عامة ترى أن المرأة -أي امرأة- ليست أهلاً للمشورة ومآل من يأخذ بمشورتها من الرجال إلى الضياع.

.

وفي البيت الثاني وضعت الشاعرة المرأة مع الغلام القاصر في مستوى واحد، ولا ينقض هذا الانتقاص للمرأة تخصيص الشاعرة شخصية نسائية معينة ومسماة بالهجاء، فقد بَنَت الشاعرة هجاءها لخصومها في البيت الثاني على القاعدة العامة التي ذكرتها في بيتها الأول وهي عدم الأخذ برأي المرأة ومشورتها.

.

والشاعرة هنا وقعت في مزلقين:

.

1-

التناقض، فشطر البيت الأول ينقض آخره، و(حذام) المشار إليها في القصيدة تحيل القارئ مباشرة لشخصية حذام الشهيرة

فذاكرة التراث العربي، وفي استشهاد الشاعرة بحذام في سياق انتقاصي للمرأة تناقضٌ عجيب، فالشاعرة تستشهد بالشيء على نقيضه، فقصة حذام في التراث ضُربت بالأصل مثلاً لصدق الخبر وصحة النقل والرأي السديد لامرأة عانى قومها سوء العاقبة لعدم أخذهم بقولها.

ومما أنشده الشعراء في هذا المعنى قول أحدهم:

إذا قالت حذام فصدقوها = فإن القول ما قالت حذام

وتمثّل بعضهم هذا المعنى، وأجراه على الرجال والنساء كعادة العرب في ضرب المثل فقال أبو العلاء المعري:

إذا ما جاءني رجلٌ حذامٌ = فإن القول ما قالت حذامِ

وقال الآخر في ممدوحه:

أندى يدًا في الجود من حاتمٍ= أصدق في أقواله من حذامِ

.

أفليست هذه إذن مغالطة صريحة وتشويهًا متعمدًا لصورة إيجابية للمرأة في تراثنا !

وإن لم تك كذلك، فعن أي حذام يا ترى تتحدث الشاعرة، إذا كانت هذه هي صورة حذام الحقيقية في التراث !

.

2-

تسفيه المرأة، فالشاعرة تستقي معاني قصيدتها ونظرتها الدونية للمرأة من رؤية حاضرة بقوة في الثقافة الشعبية -وإن لم تك الرؤية الوحيدة- فقد عبرت الشاعرة عن الأخذ أو العمل برأي المرأة ومشورتها بـــ(الطاعة)، على ما بين الأخذ والطاعة من فرق، وهو في حقيقة الأمر فرق بين الاختيار والانقياد، وشتان ما بينهما. ولم تكتف الشاعرة بهذا بل جعلت طاعة المرأة -أي امرأة- طاعةً لمن حقه التسفيه والإهمال، فلا غرو والحال هذه أن يأتي شعرها معبرًا عن الرؤية الدونية للمرأة في الثقافة الشعبية بوضوح، فلم تكن المرأة يومًا مبرأة عن المشاركة في ازدراء المرأة.

.

https://www.youtube.com/watch?v=m4q0nSFr4i0

.

غير أن المثير للدهشة هو ترديد شاعرة شعبية أخرى لهذه المعاني رغم نقدها الشديد للنظرة الدونية للمرأة في الثقافة الشعبية، ورغم احتفاء الشاعرة بالرموز الأنثوية على طريقة ربات النظرية النسوية الغربية، واحتفاء الشاعرة كذلك بالمؤلفات العربية التي طبقت نظريات النقد الثقافي في السياق العربي!

.

ففي مسابقة شاعر المليون- في نسختها الثالثة- شاركت الشاعرة السعودية عيدة الجهني مشاركة خطفت الأنظار ومثلت أنموذجًا فريدًا لحضور الموهبة النسائية مجردة باقتدار، وغير متوسلة في حضورها ببهرج المظهر الأنثوي لتحقيق غاياتها.

وعلى مسرح شاعر المليون أنشدت عيدة قصيدة بعنوان (أحد عشر كوكبًا والشمس) حاولت فيها عيدة التأليف بين النِّسوي والديني، وقدمت لها ببضعة عبارات قالت فيها:

.

"في عكاظ النابغة لا مربد الفرزدق"

.

وكلمة عيدة هنا دالة بلا شك، فعيدة تشبّه مسرح شاعر المليون في زمننا الحاضر بسوق عكاظ زمن الجاهلية، ونسبت عكاظ للنابغة الذي شهد لتفوق شعر الخنساء على حسّان في القصة المعروفة، بينما نسبت عيدة سوق المربد للفرزدق الذي كان من أبرز نجومه وصناع ثقافته، في إشارة إلى تباين موقف كل من النابغة والفرزدق في المحفلين من المرأة الشاعرة، وكيف لا وهو القائل حين سمع بامرأة قالت شعرًا:

" إذا صاحت الدجاجة صياح الديك فاذبحوها !"

.

وفي المقدمة نفسها أهدت عيدة قصيدتها لرموز شعرية نسائية قديمة ومعاصرة، وربطت بين عنوان وموضوع القصيدة بإشارتها لبيت المتنبي في رثاء أم سيف الدولة الحمداني بقولها:

.

"إلى تماضر وليلى ونازك وفدوى في خلّب بارق

وما التأنيث لاسم الشمس !"

.

وأعقبته بتقديم التحية إلى النقد الثقافي الذي قدمه الدكتور عبدالله الغذامي في كتبه الثلاثة تأنيث القصيدة، وثقافة الوهم، والمرأة واللغة قائلة:

.

" مع التحية للنقد الثقافي الذي اقتحم هذه الأرض المحرمة في تأنيث القصيدة وثقافة الوهم والمرأة واللغة"

.

ثم استهلت عيدة قصيدتها بنقض عبارة شعبية دنيئة تحقّر من شأن المرأة، وجعلتها عيدة منطلقًا لبيان تناسل الفكرة تاريخيًا في ثقافات إنسانية تشاركت غمط المرأة والحطّ من شأنها، وطمس آثارها ومآثرها فقالت :

ز

"هذي مرة وانت بكرامة" من عقول بوحل غي= تناعبت عفّر بياض البيد زوم الأخيلي

فكرة خبيثة لبست التاريخ واعجب من كذي= عمي انسجوا ليل العمى إرث الضرير الأولي

تطوي على حدب الليالي أطهر الآثار طي= تراجست تناسلت على حساب الجمّلي

.

وجريًا على ما ذكره الغذامي في المرأة واللغة حول تصوير المرأة في الفن حشدت الشاعرة رموزًا أنثوية لإلهات وثنية وشخصيات أسطورية فينيقية وإغريقية وبابلية وعربية تراوحت بين المدنس والمقدس، وظفرت بينهن العنقاء بتجاوز المكانة التقليدية للأنثى فقالت:

.

ضجت على (بجماليون) وغنت (افروديت) مي= تنثر على صفر الوجيه الهيم حزن المندلي

وإن أطفلت (عشتار) (فالعنقاء) يالعربان ضي = على ثمار الزيزفون وعذب ورد النوفلي

.

وعرضت عيدة أنموذجًا لنقد ذكوري ورث رؤية الفرزدق للمرأة، ثم بينت استحقاق الشاعرات التي ذكرت أسماءهن في أبياتها التالية لمكانتهن التي نافسن بها الرجال تفوقًا وإبداعًا فقالت:

.

شبت على طرق (الفرزدق) فرعت في كل حي = والريح تكتب فوق شوق النار نوح السنبلي

استوبلت عند (النويهي) تزوي الآمال زي = تملي على (أفنون نازك ) من حقود المنجلي

وإن ذكّر الشيطان عجلي يهيم بـواد عي = شجت ( تماضر ) قاف فحل في نهار أليلي

استعمرت (فدوى) القنان وتنصب الأفعال كي = عيدانة نضد لها القيفان نوض الأجدلي

.

ثم عبرت عيدة وقد ابتليت بما ابتليت به المبدعات السابقات من موهبة الشعر، عبرت عن ألمها البالغ للتصورات والممارسات والمفارقات الذكورية، وقلقها من مشاركة أولئك الشاعرات وحدة المصير متساءلة عما تثيره هذه الشراكة من أسئلة حارقة بقولها:

.

أشقيت عيني يا زماني مثلهن فاعطف علي = (لامية الكندي) برق في ظلام المجهلي

حسَن..حِسن مالفرق يالغافين من ذا أو بأي = الأسئلة جمر الغضى ويل للشجي من الخلي

.

ثم أشارت الشاعرة للظروف المأساوية التي تمر بها الأمة، وغيْبة القيم الدينية عن حملة تلك التصورات من ذكور الأمة رغم إنصاف الإسلام للمرأة حتى في أكثر مذاهبه تحفظًا.

.

يا أمتي عتمٍ يفج الصبح من شوقه إلي = وراه حيرى مدوا العتمة إلى الطرف الجلي

عاذ القرله بالقريمل ماعريب اليوم شي = تفيهقوا في غيبة الطهر الوضيء الحنبلي

.

ثم قدحت عيدة في رجولتهم المفترضة تلك التي استعاضوا عنها بالاستقواء على النساء وإهانتهن بينما لم يقووا على مواجهة العدو الحقيقي، والحال أنهم صرعى الشهوات والأهواء.

وفي قولها "أحفاد فكر الأصمعي" تأثر وإحالة واضحة لنقد الدكتور الغذامي للثقافة العربية حيث كان الأصمعي مؤسس عمود الفحولة في هذه الثقافة.

.

استعرضوا على الحريم وظنوا المظماه ري = واستنسروا فوق المنابر بالمساء المخملي

وأبناء صهيون التووا بالقبة الشماء لي = وأحفاد فكر الأصمعي صرعى بعود الموصلي

.

وختمت عيدة قصيدتها بوصف حمَلَة الفكرة الخبيثة حول المرأة بـ(ورافي الكبت)، ووعظتهم ونصحتهم بتحكيم العقل فيما ورثوا من تصورات، ودعت ابنها (رعد) في آخر الشطر للفخر بوالدته المتلفعة بالمجد في عليائها إشارة إلى تمسكها بحجابها الشرعي.

.

يا ورافين الكبت هل ترجون بعد الظل في = والموت قبل الزايلة والنور تحت القسطلي

سيروا على وضح النقا لا تتبعوا هي ابن بي = واستسيجوا بالعقل من حمى التراث الحنظلي

قطّرت فكري يا (رعد) وافخر بأمك يا بني = تحجبت بالمجد وارتاحت على الحيد العلي

.

https://www.youtube.com/watch?v=UPhf8TTMJBY&t=29s

.

وفي قراءتنا لهجاء الرجل في شعر عيدة اللاحق لهذه القصيدة، وفي ضوء قصيدة عيدة نفسها، وبين يدي النقد الثقافي الذي احتفت به شاعرتنا في مطلع قصيدتها ننثر التساؤلات:

.

أكانت قراءة عيدة لأدبيات النقد الثقافي التي أشادت بها في مقدمة قصيدتها قراءة سطحية وغير مدركة لمصطلحاتها وعمقها الفلسفي واستحقاقاتها الأدبية؟

وهل خلطت عيدة بين الأيديولوجيا النسوية الحديثة ومُطلق الحميّة للمرأة فكانت قصيدتها شكلاً من أشكال الحميّة للمرأة بمنهجية تلفيقية حديثة ؟ أم أنها نسجت على منوال الغذامي دون أن تدرك أن كتابات الغذامي تصنف في حقل الدراسات النسوية التي عبر الغذامي عن نظرياتها ودعا لتفعيلها في اللغة العربية كتأنيث اللغة ؟

فما سنقرؤه من هجائيات عيدة يحملنا على طرح مثل هذه التساؤلات، إذ يبدو أن عيدة حملت النسق ذاته الذي انتقدته وشاركت الذكور نسج ما وصفته في قصيدتها بـ(ليل العمى) أو رؤيتهم الدونية للمرأة التي ورثوها من قديم !

وربما استخدمت نفس الفكرة الذكورية وعمدت إلى توظيف خبرتها في الثقافة الشعبية في إيلام خصومها الذكور بطعنهم بالأداة ذاتها التي طالما طعنت كبرياءها الأنثوي.

ولمَ لا وعيدة تدرك مدى رسوخ هذه المعاني في الوجدان الشعبي عميقًا، وتعي بالمثل كيف يصعب أن يتخلص المثقف والناقد المعاصر من رواسبها، وفي إشارة الشاعرة للناقد (النويهي) خير شاهد على ذلك!

.

ففي أبيات دافعها الغيرة على الوطن كما قالت عيدة، وفي نَفَسٍ دفاعي حملها على وصف الصامتين عن هجاء قطر بالخيانة، قالت عيدة في هجاء الإعلامي القطري عبدالله العذبة :

.

لو فيه خير ولحيته يحماها = ما قيل ابن عذبة وينسب لأمه

والا العرب ما تنسب لنساها = غير الخمه وأبوه الخمه

.

وحين انتقدت بعض المتابِعات لعيدة -في حسابها في تويتر- كلماتها باعتبارها انتقاصًا للمرأة، وصفتهن عيدة بمحدودات الفكر. وفي ردودها على من انتقدنها في حسابها ردت عيدة النقد الموضوعي لغير الموضوعي فوصفتهن بالغيرة !

ز

وبعيدًا عن دوافع عيدة لهجاء خصمها، وعن الهجاء بوصفه غرضًا شعريًا مشروعًا ومطروقًا منذ القدم، ودون مصادرة حق الشاعرة في تسخير موهبتها في الدفاع عن وطنها والمنافحة عنه بأبياتها الشعرية، يبدو أن عيدة وقعت أيضًا في مزالق عدة أبرزها:

.

حوسلة المرأة

نحت الدكتور عبدالوهاب المسيري هذا المصطلح واستخدمه في سياق نقده للثقافة الغربية المادية حيث يتم نزع إنسانية المرأة وتحويلها إلى وسيلة لتصعيد الرغبات الاستهلاكية لدى كل من الجنسين، باعتبار المرأة موضوعًا للرغبة المادية المباشرة، لكنني سأستخدم المصطلح هنا بمعنى آخر هو (تحويل المرأة إلى وسيلة لإلحاق الأذى بالخصم)، وهو معنى شديد المساس بإنسانية المرأة أيضًا، فالتقليل من شأن الرجل-أي رجل- باستخدام المرأة طعنًا في عرضها، أو تشبيهًا للرجل بها على وجه الإذلال والانتقاص أمرٌ لا يُفسر إلا بكونه مشاركة في الإساءة للمرأة وإعادة إنتاج لرؤية راسخة حتى اليوم في الثقافات الشعبية لا العربية وحدها، إذ ما زالت الشتيمة الأكثر رواجًا في عالم ضم أكثر التيارات النسوية تطرفًا وسعيًا حثيثًا لتغيير صورة المرأة في الثقافة بطريقة جذرية هي: (ابن العاهرة ( Son of a bitch.

.

التناقض

فالمعنى الذي اختارته عيدة في هجاء خصمها أمر لا يمكن تبريره فكريًا ولا قيميًا، وبالنظر لقصيدتها (أحد عشر كوكبا والشمس) فالنهج الذي سلكته عيدة نهج يتناقض مع المضامين الفكرية والقيمية لقصيدتها، فهو يتناقض قبل كل شيء مع التصورات والقيم والأدبيات الدينية التي كرمت المرأة ولم تر فيها محض كائن سلبي بل احتفت بالنماذج النسائية الإيجابية في القرآن وضربتها مثلاً للرجال والنساء معًا وحرّمت الطعن في الأنساب وجعلته من أمر الجاهلية .

.

وهو نهج يتناقض من جهة أخرى مع الفكر النسوي الذي تعتز كثير من مفكراته بالنسب الأمومي وغَلَت بعضهن في المرأة إلى حد إحيائهن عبادة الإلهة الأنثى، ويتناقض كما أشرنا مع الدرس الذي قدمه الغذامي في نقده الثقافي في كتبه التي أشادت بها عيدة، وهو الذي ذكر في كتابه (المرأة واللغة) أن المرأة كلما " كتبت بوصفها امرأة كلما ازدادت قوة في نفسها...والخطوة الأولى إلى هذا الهدف هي تخليص القراءة من سلطة الرجل بتحويل القارئة إلى فاعلة واعية تعي المقروء وتقاوم نوازعه الاستلابية"ص54.

لكن ما حدث في هجائيات عيدة وردودها على ناقداتها هو امتداد للرؤية الذكورية الدونية للمرأة وقمع للقارئة الواعية.

.

التهافت

بين يدي النقد الثقافي الذي مازلنا نقرأ هجائيات عيدة في ضوئه، وبالعودة للغذامي الذي فرق بين في المتابعة والتبعية وسائل التواصل، وفي سياق لا يفرق فيه بعضهم بين المتابعة والتبعية، نقض متابعو عيدة هذه الفكرة التي يُرهب بها المصابون بفوبيا الإعلام الجديد الناس، وفي صورة ليقظة المتابعين في تويتر، وَصف بعضهم هجاء عيدة لخصمها بالانتساب للمرأة بكونه متهافت ثقافيًا، إذ لم يُغفل المتابعون للوسم (الهاشتاق) الرد على عيدة ونقضهم لكلامها بنسبة العرب قديمًا وحديثا لنساء، مثل عمرو بن هند وعمرو بن كلثوم في الجاهلية، وابن الحنفية وابن تيمية في الإسلام، بل من شيوخ القبائل المعاصرين من نسب للنساء مثل ابن قرملة وابن لبدة من قبيلة قحطان وابن شوية من قبيلة سبيع وابن بتلا وابن سعدى من قبيلة حرب وابن عبيكة من قبيلة شمر ومثلهم كثير .

بل مُدح سيد الخلق أجمعين صلى الله عليه وسلم بنسبته إلى أمه آمنة بنت وهب في قول مصعب ابن عبدالله الزبيري:

فما عوض لنا بمنهاج ابن جهم = بمنهاج ابن آمنة الأمين

فكيف فسرت الشاعرة أبياتها الحاطّة من قيمة المرأة ؟ ولا مستند ديني معياري، ولا ثقافي اجتماعي،

ولا نسوي حداثي يبررها ؟

ذكرت عيدة في جوابها على النقد الموجه لها أنها جرت على عادة العرب في التعريض بمن لا يُعرف نسبه، وظنت أنها تبرأ بهذا من تنقصها المرأة !

فقالت في تغريدة لها: " من الجهل التفكير باستنقاصي للنساء في ردي على العذبة ، ومعنى كلامي أن العرب لا تنسب للأم سوى مغموز النسب وينسب الرجل لأبيه حتى في غير العرب".

فهل ينفي جوابها حقيقة غمزها في نسب خصمها بغمزها في عرض أمه على حد قولها، وهل كانت أبياتها سقطة عارضة، أم كشفت الأزمة السياسية الحالية نسقًا كامنًا من قديم لدى الشاعرة !

الواقع أن أبيات الشاعرة لم تكن الغلطة التي نقضت غزلها، وليست وحدها ما كشفت النسق، وأزالت الغطاء عن نظرتها الحقيقية للمرأة. ونفي المعنى المضمن في أبياتها لا ينفي تكراره بصور أخرى في هجاء الشاعرة لخصومها من الذكور، في مشهد حاشد بمثل هذه المعاني حتى لتكاد توصف فيه قصيدتها النسوية (أحد عشر كوكبًا والشمس) باليتيمة والغريبة.

ولا تفتأ عيدة تؤكد هذا المعنى بقولها وفعلها فنراها تحتفي بأبيات يمتدحها بها أحد متابعيها في تويتر ويبارك فيها (إحالتها الرجال نساء) في هجائياتها بقوله :

.

الخوف من سطوة حروفك= خلت رجاجيلهم نسوان

ياطيب حرفك ومعروفك = ويا قو باسك على الخوّان

.

فالخوان عقوبته السفول به لوصف الأنوثة !

وعيدة تحتفي بهذا المعنى ولا تعترض ولا تفرق ولا تعقب !

.

الاستلاب

حين نتساءل على مدى إدراك عيدة للعمق الفلسفي للنظرية النسوية والنقد الثقافي فلأسبابٍ وجيهة منها تلبّس عيدة بقيم الفحولة التي امتدحت النقد الثقافي بفضحها، والواقع أن عيدة لم تزد كثيرًا على نظم ما ذكره الغذامي في كتبه الثلاثة التي قدمت لها عيدة التحية في مقدمة قصيدتها، سواء فيما يتعلق بالرموز النسائية الشعرية القديمة والمعاصرة التي ذكرتها عيدة، أو ما يتعلق بموقف الفرزدق من المرأة الشاعرة، أو الأصمعي والثقافة الذكورية التي أسسها في كتابه فحولة الشعراء، أو موقف النويهي من نازك الملائكة التي حطمت عمود الشعر أو عمود الفحولة الذي بحسب مايصفه الغذامي.

فعيدة هنا لم تنقل في قصيدتها أحداثًا ورموزًا تاريخية ومعاصرة متفرقة بل عمدت إلى بعض ما نظمه الغذامي فكرًا فنظمته شعرًا.

وأما موقف عيدة من المرأة في هجائياتها فيعد أنموذجًا لما يوصف في النقد النسوي المعاصر بالممارسة الاستلابية، إذ تمارس المرأة الاضطهاد الذكوري على بنات جنسها وتتحول من متمثلة إلى راعية للقيم الذكورية المضطهِدة للمرأة في المجتمع بدلاً من أن تحاربها وتقف ضدها.

وقد مارست عيدة اضطهادًا معنويًا فجًا ضد المرأة، فانتقصت المرأة في مقام الأمومة، وانتقصتها بنتًا وأختًا، فكانت المرأة في مختلف مقاماتها الخنجر المسموم الذي يبدو أن عيدة تتلذذ بطعن خصومها الذكور به، فتارة تهجو خصمها بالطعن في عرض أمه، وتارة تصفه بالبنت تلميحًا لهوانها، وتارة تشبهه بالأخت في ذلها وسلبيتها وجبنها عن التعبير عن رأيها، ففي وسم (هاشتاق) تحت عنوان (عذيبة بنت عذيبة) تحدثت عيدة عن خصمها بضمير المؤنث في سياق ساخر لا يمكن القول أنه سياق غير انتقاصي للمرأة نفسها قبل خصمها، إذ قالت عيدة في تغريدة لها ردًا على تغريدةٍ تفيد بطرد العذبة :

"لا حول قطعت رزقها مستعدة أكتب لها قصيدة لموزة تردها الدوام منشنوها".

؟

وفي ردها على مغرد سعودي عاب عليها استخدامها كلمة (الخازوق) مشيرا لدلالاتها المنافية للأخلاق بقوله :

"الاحتشام ليس بنقاب وعباية فوق الرأس. بل بلباس الأخلاق والأدب والحياء. لأن كلمة (خازوق) لها مدلولها المعيب والمخجل ياعيدة ".

ما كان من عيدة إلا أن سلبته وصف الرجولة وشبهته بالمرأة الذليلة الصامتة جُبنًا فهجته قائلة :

.

" نسيت يوم انك لبست العباية = والمملكة منها خرجت بعباتك

واليوم صرت إنسان للذل آية = ساكت وكنك وحدة من خواتك".

.

وهنا تذكّر الشاعرة خصمها وهو معارض سابق عاش ردحًا من الزمن خارج المملكة بخروجه من المملكة آنذاك، وترد نقده الأخلاقي لها لدوافع حزبية أيضًا، فالنقد- كل نقد يوجه لعيدة- ليس له إلا التفسير ذاته والتهم ذاتها التي توزع على الجميع (الحزبية، والخيانة، ومحدودية الفكر)، لكن عقاب عيدة لنقادها لا يعدله شيء في القسوة كوشمهم بالأنوثة، وكأن الشاعرة لا تجد وصفًا أوجع من وصف الأنوثة لتصم به خصومها !

.

السفول طلبا للسمو

لعل ما يجري في مشهدنا الثقافي في هذا السياق هذه الأيام يحملنا على التساؤل : ما الأثر العاجل لما يحدث ؟ فالطرح الذي تقدمه عيدة ليس سوى أنموذج من نماذجه الثقافية؟ وهل يمكن التغاضي عن هذا النوع من الطرح باعتباره من (فروض الأزمة) أو "واجبات الوقت" بالتعبير الفقهي؟ وهل نصرة الوطن باعتبارها من المطالب السامية أمر لا يتوصل إليه بالسفول الأخلاقي؟ وبمصطلحات الناقد الثقافي الذي احتفت به عيدة في مقدمة قصيدتها النسوية (أحد عشر كوكبا والشمس) نتساءل بعبارة أخرى: هل تفرض الأزمة السياسية على أبناء وبنات الوطن أن يتفاخروا فضلاً عن أن يستعلنوا (بقبحياتهم الثقافية)، فيخلعوا عنهم لباس القيم والمبادئ، ويحظى خطابهم اللا أخلاقي والمسكوت عن نقده تفاديا للاستعداء والتصنيف وسوء الفهم برضى جماهيري واسع في أجواء (مكارثية) يُوصف ويُصنف فيها المخالفون والمذكّرون بالقيم والعافّون ألسنتهم وأقلامهم عن الفحش والبذاء والطعن في الأعراض بالتواطؤ والخيانة؟

وكأن هذه الأزمة بعثرت بالفعل قشور الثقافة المكتسبة والمتَجمَّل بها في محافل الشعر، وأمام لجان التحكيم الشعرية الفنية، وتحت سطوة الأحكام المعيارية الشرعية والفكرية والقيمية، فكشفت هذه الأزمة عن (نسق مضمر) تم استظهاره في ظروف استثنائية تنكّر أصحابها لشتى القيم ووضعوها تحت أقدامهم، كشاعرتنا التي أرجعت كل دعوة للتحلي بشرف الخصومة لموقف حزبي مضمر، ووصفت منتقداتها ومخالفاتها من النساء بأسيرات الفكر المحدود، ووصمتهن بالسذاجة والغيرة بنبرة استعلائية طبقية، ووسمت مخالفيها من الرجال بالأنوثة بعد أن حقنتها بكل معنى تحقيري، وكأن الوطنية لدى شاعرتنا تستلزم ذبح وإراقة القيم الدينية والنسوية التي سبق وأن احتفت بها في قصيدتها السالفة !

.

أخيرًا

القبحيات بين الخلود والأفول

.

يبقى سؤال الأثر الآجل من أكثر الأسئلة الملحّة ثقافيًا، فهل سيحفظ التاريخ هذه المواقف والهجائيات لأصحابها بوصفها مفاخر ومآثر، أم أنها ستطوى ولا تروى غالبًا إلا في سياق نقدي يكشف عوراها بعد أن ينطفئ لهيب الأزمة وتنفض حشود المشجعين لهذا الفريق أو ذاك!.

.

وهل كانت القبحيات الثقافية يومًا مفاخر لأصحابها و أوطانهم أم هل ستكون؟

.

الواقع أن من خصائص الهجاء كما يذكر الغذامي في كتابه "ثقافة تويتر":

"تمرير وتبرير القبحيات الثقافية حتى أصبحت نوعًا من الجماليات وليس القبحيات"74ص.

.

وخزانة الهجاء ملأى بهذا النوع من القبحيات التي تم تخليدها والاستعانة بها عند الحاجة، وما يزيدها حضورًا وتوهجًا في مشهدنا الحالي هو استدعاؤها وإعادة إنتاجها لتبرير السفول بكل أشكاله، في سياق يحتكر أصحابه مفهوم الوطنية بسفح القيم وتجريد غيرهم من اختياراتهم القيمية.

بينما سطر الكثير من الوطنيين من الرجال والنساء عبر التاريخ وفي مختلف بقاع الأرض أروع القصائد بدمائهم لا بأقلامهم فحسب، وخُلِّدت مواقفهم الوطنية التي دفعوا ثمنها غاليًا، وأصبحت أدبياتهم قِطعًا نفيسة تُنشر وتُدرس وتُنشد دون أن يتلطخ كثير منهم بالإساءة للمرأة، أو هدر الأخلاق، أو الإسهام في تمزيق لحمة مجتمعاتهم.

فليختر المرء لنفسه مع أي الفريقين سيُذكر وفي أي الديوانين سيُخلّد حرفه !

.

.

   طباعة 
2 صوت
 
 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
6 + 3 = أدخل الكود
 
 
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة

المواد المتشابهة المادة التالية
 
 
جديد المواد
جديد المواد
بين حملة إسقاط الولاية وتقرير وزارة العمل - المقـــــــــــــــــالات
من حياد الأرصفة إلى معمعة الأسفلت ! - المقـــــــــــــــــالات
 
 
القائمة الرئيسية
 

البحث
البحث في
 

القائمة البريدية

أدخل بريدك الالكتروني لتصلك آخر اخبارنا
 

عدد الزوار
انت الزائر :43312
[يتصفح الموقع حالياً [ 4
الاعضاء :0الزوار :4
تفاصيل المتواجدون