بين حملة إسقاط الولاية وتقرير وزارة العمل

عرض المادة
بين حملة إسقاط الولاية وتقرير وزارة العمل
2159 زائر
06-03-2017
ملاك الجهني

.

بين حملة إسقاط الولاية وتقرير وزارة العمل

وقفات وتساؤلات

.

.

.

.

نشرت شبكة (بي بي سي) الإخبارية في حسابها على تويتر في الثالث من مارس الجاري رابط مشادة كلامية بين رجل وامرأة من أعضاء البرلمان الأوروبي، احتجت فيها المرأة على تصريح زميلها بأن النساء يجب أن يكسبن أقل من الرجال لأنهن أضعف وأصغر وأقل ذكاء

" women must earn less than men because they are weaker, they are smaller, they are less intelligent".".

ولو كانت الأسباب المذكورة وبغض النظر عن صحتها مؤثرة في الإنتاجية الوظيفية لكانت متفهمة وسائغة، لكن التمييز في الأجور في الغرب لصالح الرجل لا يقيس الإنتاجية بين الجنسين ويفرق على أساسها لتُفسَّر بكونها تفرقة موضوعية، بل ينبني التمييز غالبًا على مقدمات ثقافية معزولة عن نتائجها العملية.

ولا يخفى على المهتمين بتاريخ الحركات النسوية في الغرب ما لهذه التفرقة من أثر على تفجير الاحتجاجات النسوية في الغرب. وسبق وأن ذكرت أن التظاهرات الاحتجاجية الأولى لتلك الحركات صدرت عن العاملات الكادحات في المصانع لمدد زمنية تزيد على بضع عشرة ساعة يوميًا في ظروف عمل خطرة، وبيئة صحية مزرية، وبأجور متدنية، طلبًا للتساوي في الأجور مع الرجال الذين كانوا يأخذون ضعف ما تأخذه المرأة على أداء العمل نفسه.

.

ولاشك في عدالة هذه المطالب التي لايحملنا الاختلاف مع الفكر النسوي وناشطاته على التنكر لها، إن في داخل الوطن أو خارجه، وليس في التصريح بهذا الموقف ادعاء لفضيلة بل إيمانًا بمبدأ الإنصاف وأخذًا بمقتضياته، ليس في هذه المقالة فحسب، بل في مواضع أخرى سأعرج عليها تباعًا قبل أن أبسط الحديث عن تقرير وزارة العمل حول الفجوة في الأجور بين الجنسين في السعودية.

.

ومن ذلك أنني حين تحدثتُ في دراستي حول الخطاب النسوي عن النسوية الليبرالية الأمريكية بيتي فريدان مؤسسة المنظمة الوطنية للمرأة في الستينات الميلادية، والتي طالبت بتكافؤ الفرص الوظيفية والتصدي لما كانت تعانيه المرأة في التوظيف من تمييز على أساس الجنس، كتبت: "وينبغي القول أن فريدان دافعت عن قضايا حقوقية تعرضت فيها النساء الغربيات للإجحاف من مثل إجبار المضيفات على الاستقالة من شركات الطيران لمجرد بلوغهن الثلاثين أو زواجهن، فكشفت فريدان عن أثر هذا الأمر على المرأة التي لم يتح لها الوقت لمراكمة خدمة تؤهلها للحصول على زيادة في الأجر وإجازة سنوية وحقوق تقاعد، وإثراء شركات الطيران جراء تصفية الموظفات بهذه الطريقة واستبدالهن بأخريات".

.

وحين قدمتُ بمدخل لكتاب (المرأة والداروينية) الذي أصدره مركز دلائل وحوى عددًا من النصوص المترجمة حول المرأة عقَّبت على إحدى مقالاته بقولي:"أما المقالة الأخيرة وهي بعنوان (لماذا لم تزد مكاسب حقوق المرأة سعادة النساء؟) لأنا بيثريك، فقد رتبت فيها بيثريك ارتفاع الشعور بالسعادة لدى بعض النساء على ضعف الوعي بالحقوق وتسويغ غياب العدل في الأجور، وهو ترتيب خاطئ في تصوري، فربط انخفاض السعادة بالمكاسب التي حصدها ارتفاع وعي المرأة تبسيطٌ مخل موضوعيًا وخاطئ أخلاقيًا كذلك، فالمطالب النسوية بالمساواة في الأجور من أعدل المطالبات النسوية وأحقها بالدعم، كما أن مشكلات المرأة المتعلقة بالسعادة وغيرها مما لا يمكن رده إلى عامل واحد على طريقة الكاتبة".

.

وحين انتقدتُ حملة إسقاط الولاية انتقدت بالمثل موقف طائفة من الشرعيين المكتفين بالدفاع عن المبدأ الشرعي مع تجاهل الواقع فكتبت: "المواقف في هذه القضايا توزعت ما بين محاولة صريحة لإخراج الشريعة من دائرة الحياة الاجتماعية، وبين الدفاع عن المبدأ الشرعي، وهو حق وعدل لا ينبغي إسقاطه بباطل أو ظلم .

لكن المؤسف أن يتجاهل بعض أصحاب الموقف الأخير واقع التعسفات المرتكبة تجاه المرأة تحت هذا العنوان، ويكتبون في المبادئ الإسلامية وحكمتها وكمالها وجلالها بصورة منفكة عن الواقع، وكأن ما نال هذه المبادئ من تشويه ومحاولات إسقاط لم يتم التوصل إليه برابط من الواقع، وكأننا مسؤولون عن الانتصار للمبدأ فحسب وغض الطرف عن الواقع باعتباره ليس جزءًا من عملية الإصلاح التي هي واجب شرعي بالمثل".

.

وحين تواصلت معي صحيفة هافينغتون بوست الأمريكية قبل إعلان التشكيل الجديد لمجلس الشورى -لأجيب للمرة الثانية عن أسئلة مداخلة صحفية لم تنشر للمرة الثانية أيضًا- لم يكن اختلافي مع أطروحات د.لطيفة الشعلان الهجومية على الإسلاميين ولا اختلافي معها في تحقيبها غير المنصف لتاريخ المرأة السعودية سببًا في تجاهل إنجازاتها في المجلس، بل أدرجت إنجازاتها إضافة لما قدمته عضوات أخريات كالدكتوره نورة العدوان والدكتوره وفاء أبو مريفة، وأشدت بمقترحات الشعلان المقدمة لتعديل (نظام الخدمة المدنية)، والتي تهدف لتعزيز حقوق مواطنة المرأة السعودية وحمايتها من الاستغلال المالي من خلال استصدار دفتر عائلة للمرأة.

.

ومن هذا المنطلق علقتُ مغردة على التقرير الذي كشفت عنه وزارة العمل السعودية قبل أشهر قليلة

لا يملك المتابع للحالة السعودية خلالها إلا أن يترقب ويستشرف ردة الفعل التي سيثيرها التقرير الذي يمس شريحة واسعة من النساء العاملات في القطاع الخاص من جهة، والذي نشرته الصحيفة في وقت يجري فيه الحديث حول رؤية 2030 والسبُل الأمثل لتفعيلها من جهة أخرى.

والغريب أن التقرير مرَّ بهدوء لافت، في حين كان يفترض أن يثير مثله لدى الناشطات النسويات عواصف الاحتجاج والتساؤل والمطالب بنظام موحد للأجور على غرار النظام الموحد في المؤسسات الحكومية، أو على الأقل يأخذ التقرير حقه من التساؤل في ضوء توسيع مشاركة المرأة في سوق العمل.

.

لكن هذا ما لم يحدث، ومرَّت أشهر لتستمر حملة إسقاط الولاية في خط تجاهلت فيه الكثيرات من مناصرات الحملة محاولات فك الاشتباك بين الديني والمجتمعي والتحرير الموضوعي للمفاهيم والمسائل، لتمضي الحملة على التباسها وتلبيسها واستقواء ناشطاتها بالخارج، كالتي حاضرت مؤخرًا في جامعة جورج تاون في قطر حول الولاية وأُرفِق حديثها بترجمة مباشرة للإنجليزية، ثم عادت لتكتب لنا عن استضافتها في قناة (بي بي سي) العربية للحديث عن مراجعة المناهج المدرسية وتطهيرها"من المكونات الداعية للتطرف بأي شكل من الأشكال الدينية أو العرقية أو الجندرية"، كما دعت لتجريد التعليم من الرؤية الكونية التي جزم المهتمون بالفكر الحضاري من غير الإسلاميين بأهميتها لأي نهضة حضارية إنسانية، إذ انتقدت الناشطة "تمدد المواضيع والنصوص الدينية إلى المواد العربية والتاريخية والعلمية أيضًا".

.

وبينما شُغل المواطنون والمواطنات بقضية قيادة المرأة للسيارة سنوات عديدة، وأثيرت القضية في مجلس الشورى مرات عديدة، لم يُشغل المواطنون والمواطنات بصخب الحديث عن مطالبة واحدة بتوحيد نظام الأجور في القطاع الخاص حتى بعد أن كشفت الصحافة عن تقرير وزارة العمل والمنتدى الاقتصادي العالمي، رغم أن وزارة العمل نفسها ترفض سياسات التمييز على أساس الجنس في الرواتب بين العاملين والعاملات في عمل ذي قيم متساوية كما نصَّت الصحيفة.

.

وسأورد بعضًا مما نشرته صحيفة الوطن في السادس عشر من نوفمبر 2016م، تحت عنوان (70% زيادة في رواتب الرجال على النساء بالقطاع الخاص) حول التقرير السنوي لوزارة العمل 2014-2015م، والذي تضمن ما يفترض أن يمثل حقائق صادمة للمهتمين بمسائل العدالة الاجتماعية والتمييز المجحف ضد المرأة، إذ نصَّت صحيفة الوطن على "زيادة نسبة النساء ضمن التصنيفات الأكثر مهارة والأعلى في الشهادة، حيث شكلت نسبة النساء العاملات في القطاع الخاص بشهادات التعليم العالي نسبة 16% من مجموع النساء العاملات في القطاع الخاص، في حين شكل الرجال في التصنيف نفسه 13%، وعلى الرغم من تفوق المرأة على الرجل في التصنيفات المهارية إلا أن نصيبها من الرواتب يعادل ثلث راتب الرجل حيث زاد متوسط راتب الرجل عليها بحوالي 70 %ف".

وقد وصلت هذه الزيادة كما نص التقرير إلى حد 100% في بعض المهن على الرغم من توحيد أيام وساعات العمل، إضافة إلى قلة فرص المرأة في الترقيات الوظيفية.

.

كما أوردت صحيفة الوطن تحت العنوان نفسه إحصاءات التقرير الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي والذي احتلت فيه المملكة المرتبة" الأخيرة بين دول الخليج في التقرير السنوي حول الفجوة بين الجنسين في الرواتب، وقد أظهر التقرير أن المرأة السعودية تعاني من الفجوة الأوسع بين النساء الخليجيات حيث وحسب تصنيف التقرير فأن المرأة

السعودية يقل راتبها عن راتب نظيرها الرجل بنسبة 44% ، وقد قلَّت نسبة الفروق في التقرير عن وزارة العمل،

.لاحتسابهم رواتب موظفات القطاع العام ضمن التقرير

.

وأود أخيرًا القول أن الحقوق لا يغني بعضها عن بعض، ولا المظالم يُسقط بعضها بعضًا، وإن كان بعضها يفوق بعضها الآخر أهميةً أو انتشارًا، ومع هذا فليس ثمة ما يمنع من التساؤل حول الطريقة التي يتم فيها اتخاذ وتوزيع المواقف ومعالجة المشكلات المجتمعية، ولنتفق جدلاً أن مشكلات المرأة تستحق الغضبة لها دون تبيُّن كما حدث في حملة إسقاط الولاية التي وإن حوت مطالب عادلة لكنها تضمنت بالمثل دعاوى لا تتكئ لأية مستندات قانونية أو شرعية ، فكان أن تساقط العديد من دعاواها بالفتاوى الشرعية التي يعود بعضها لثلث قرن من الزمن، والتي كذبت ادعاءات بعض المحتجات على استناد بعض الممارسات المشترطة للولي للشرع وليست من الشرع، كما ثبت بالمثل عدم استناد بعضها لخلفية قانونية، بل ثبت عدم وجود تسمية قانونية لما تم التعارف على تسميته في الحملة بـنظام الولاية

إذا كانت هذه المشكلات تستحق غضبة ناشطات حملة الولاية- كما ذكرنا - أفلا يستحق تقرير وزارة العمل مدعمًا بتقرير المنتدى الاقتصادي العالمي غضبة بالمثل ! ثم إن القراءة الموضوعية للمنطلقات الفكرية والحركية لصاحبات حملة إسقاط الولاية تفترض بالمقابل واتساقًا مع خطهن الثوري أحقية التقرير بالاهتمام والحشد وتسجيل المواقف والانضمام للنضال النسوي العالمي فيما يتعلق بمسألة التفاوت في الأجور.

.

فلماذا لم يحدث شيء من هذا على غرار ما حدث في حملة الولاية ؟

.

ألأن مسألة تفاوت الأجور لا علاقة لها بالنصوص و المناهج الدينية التي تهاجمها بعض الناشطات؟

أم لأنها لا تقع ضمن أجندة التغريب؟

أم لأنها قضية هامشية، ولا تستحق ما استحقته قضايا أخرى من اهتمام وجدل إعلامي واسع كتوظيف النساء كاشيرات وقضية البائعات على الأرصفة ؟

أم لأن السكوت عنها شكل من أشكال التحالف المضمر بين رأسمالية القطاع الخاص ونسوية الثقافة الاستهلاكية ؟

على شاكلة ما ذكرته النسوية الراديكالية الأمريكية البرفيسورة غيل دين حول تحالف النيوليبرالية الغربية ونسوية الموجة الثالثة !

أيًا يكن السبب فالموقف من التقرير يثير العديد من التساؤلات الجديرة بالتأمل، والدافعة لفحص مثل هذه المواقف

التي لا تحمل رؤية إصلاحية مستقلة فيما يبدو، وتراهن على إثارة الضجيج الإعلامي للتغطية على المطالب الحقيقة والإجهازعلى أية محاولة للتفكير الموضوعي حولها، ولتحجب عن المتابع حقيقة المواقف من قضايا المرأة، وجدل الداخل والخارج حولها، لتبقى قضاياها بين نصرة بحسب الموقف والحاجة، واستغلال بحسب المصلحة والإملاءات الخارجية.

.

.

   طباعة 
2 صوت
 
 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
5 + 3 = أدخل الكود
 
 
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة

المواد المتشابهة المادة التالية
 
 
جديد المواد
جديد المواد
من حياد الأرصفة إلى معمعة الأسفلت ! - المقـــــــــــــــــالات
 
 
القائمة الرئيسية
 

البحث
البحث في
 

القائمة البريدية

أدخل بريدك الالكتروني لتصلك آخر اخبارنا
 

عدد الزوار
انت الزائر :41096
[يتصفح الموقع حالياً [ 3
الاعضاء :0الزوار :3
تفاصيل المتواجدون