قراءة في كتاب سلطة الثقافة الغالبة

عرض المادة
قراءة في كتاب سلطة الثقافة الغالبة
1864 زائر
07-01-2017
ملاك الجهني

.

قراءة في كتاب سلطة الثقافة الغالبة

.

ما الذي يطالعه القارئ في كتاب سلطة الثقافة الغالبة للدكتور إبراهيم السكران، وأي جديد يتضمنه توصيف حالة الهزيمة أمام ثقافة الغالب الغربي !

ربما ينقدح هذا التساؤل في ذهن المطالع لغلاف الكتاب، وقد يلحقه تساؤل آخر هو: هل يمكن لكتابات الإسلاميين أن تتجاوز قنطرة التوصيف فالتحذير إلى التحليل فالتحلل والخلاص من نير التبعية والاستلاب ؟

هذا ما تحاول هذه القراءة تتبعه واستجلاءه على المستوى المنهجي، ورغم أن المؤلف لم يقدم في كتابه الذي نقرأُ جديدًا بارزًا بروز ما قدمه في عمله (الماجريات)، فقد اشتق - في تصوري- طريقًا جديدًا نحو الانعتاق المنهجي من رقِّ المدارس الفلسفية الغربية. وإذا كانت مزية كتاب (الماجريات) في موضوعه، فمزية كتاب (سلطة الثقافة الغالبة) في نهجه.

وهذا لا يعني قطعًا انبتات فكر المؤلف في الكتابين، فالوحدة الفكرية قائمة بين العملين وكتابات السكران عمومًا .

وما تهدف إليه هذه القراءة هو تلمس النهج النقدي للمؤلف، أو ما وراء المعلومة المقدمة في كتابه الصادر عن دار الحضارة، والواقع في مائتي وثمان وأربعين صفحة من القطع المتوسط.

.

حضور مبدعي عصر الجمود الفكري

.

لا يخطئ القارئ في كتاب (سلطة الثقافة الغالبة) ملاحظة حضور ثلاثة من مبدعي ما يسمى بعصر الجمود الفكري في الحضارة الإسلامية، وهم : ابن خلدون، و الشاطبي، و ابن تيمية رحمهم الله .

ولئن كان إبداع كل من ابن خلدون والشاطبي (تأسيسيًا بنائيًا) أنتج علومًا جديدة، حيث أسس ابن خلدون من جهته ما عُرف بعلم العمران متقدمًا على عصره بافتتاح أحد أهم العلوم الاجتماعية، وأسس الشاطبي من جهته علم مقاصد الشريعة بمباحثه الفريدة المعروفة، فإن إبداع ابن تيمية الأبرز (تحليلي تركيبي) تمثل في جهده المعرفي في نقد المنطق اليوناني .

على أن الثلاثة جميعًا يشتركون في دقة النظر القائم على إدراك العلاقات بين الجزئيات والحوادث المختلفة، ولا شك أن إدراك الكُل في الأجزاء والوحدة في المتفرق لا ينتج إلا عن شمول في النظر وعمق في الفكر.

فكيف استحضر المؤلف كلاً من هؤلاء المبدعين في كتابه.

.

ابن خلدون والتفكير السنني

.

في مستهل كتابه يستدعي السكران النص الخلدوني الشهير في الفصل الثالث والعشرين من المقدمة، والذي ذكر فيه ابن خلدون: "أن المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب؛ في شعاره وزيِّه ونحلته وسائر أحواله وعوائده. والسبب في ذلك أن النفس أبدًا تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه، إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه، أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي، إنما هو لكمال الغالب، فإذا غالطت بذلك، واتصل لها اعتقادًا، انتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبهت به...، حتى إذا كانت أمة تجاور أخرى ولها الغلب عليها؛ فيسري إليهم من هذا التشبه والاقتداء حظٌ كبير".

ولا يلبث أن يُتبع السكران النص الخلدوني بتعقيب قال فيه :"والحقيقة أن هذا الفصل في مقدمة ابن خلدون هو نص تنظيري مكتمل لا أعرف له في التراث الإسلامي ندًا في تحليل ظاهرة (سلطة الثقافة الغالبة)".

ولا يرتاب القارئ في اقتباس السكران عنوان كتابه من النص الخلدوني الآنف، ما يجعلنا نتساءل: لماذا لجأ السكران للاقتباس المباشر من ابن خلدون ولماذا لم يختر المؤلف مصطلح الهيمنة رغم كونه الأشهر تداولاً في توصيف الظاهرة في الدراسات الحديثة، فيعنون لكتابه مثلاً بـ(سلطة الثقافة المهيمنة)، إضافة لكونها لفظة قرآنية والمؤلف شديد الاعتزاز بالمصطلح القرآني، وسبق وأن نشر إصدارين في القرآن رقائقه وطريقه؟

وما يبدو للمتأمل أن هذا السبب نفسه هو ما صرف المؤلف عن وصف الثقافة الغالبة بـ(المهيمنة) .

فقد وردت اللفظة-مجردة من تاء التأنيث- في القرآن الكريم في موضعين، أحدهما في الآية الثالثة والعشرين من سورة الحشر بوصفها اسمًا من أسماء الله تعالى الحسنى في قوله سبحانه: (هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن)، وأما الموضع الآخر ففي الآية الثامنة والأربعين من سورة المائدة في قوله تعالى: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه).

وفي المعنى الذي يتضمنه وصف القرآن بالمهيمن صلة وثقى بعدم اختيار المؤلف لهذا الوصف رغم الاستعمال القرآني له، ورغم شيوع استخدامه في الأدبيات الحضارية.

فالهيمنة وصف استحقه القرآن في تصديقه لما بين يديه من الكتاب وعلوِّه على جميعها، وهذه الهيمنة التشريعية بما فيها من معاني الحفظ والرقابة والائتمان أبدية لا تؤثر فيها الظروف والأحوال التاريخية والحضارية، هيمنةٌ قائمة في وقت ضعف المسلمين وقوتهم، وتقدم حضارتهم وتقهقرها، ولا شك أن هذه الديمومة للهيمنة لا تتلاءم والحقيقة السننية الثابتة التي تخضع لها الثقافات وحضاراتها سواء أكانت الثقافة الغربية، أو أية ثقافة أو حضارة تخضع لسنن التغيُّر والتدافع والتداول الربانية، فتقوى وتضعف، وتعز وتذل، بل قد تندثر وتموت كما حدث مع ثقافات وحضارات عديدة.

وهنا يحضر الاصطلاح الخلدوني (الغلب) بما يتضمنه من معان القهر والهزيمة والاستيلاء ليجسد حالة ظرفية متكررة تاريخيًا وغير ثابتة في الوقت نفسه، غلبٌ لا ينشأ عن كمال النموذج الثقافي الغالب، بل عن قوة صاحب النموذج كما أوضح ابن خلدون، وهذا ما تؤيده نتائج الدراسات الأنثروبولوجية وتحليلات العلوم الاجتماعية ممثلة فيما قرره ماركس وفيبر من أن ثقافة الطبقة المهيمنة أو المجموعات المهيمنة هي الثقافة المهيمنة، وأن الحديث عن ثقافة مهيمنة ضربٌ من المجاز وما هو موجود في حقيقة الأمر قوى اجتماعية تربط بينها علاقات هيمنة وتبعية .

ما يعني أن القوة الغالبة غلب طبيعي -على حد تعبير ابن خلدون- هي ما تحدد الثقافة الغالبة. وهذه القاعدة العامة لا تمنع وجود شذوذات كالقوة المغولية الغالبة التي ذابت في الحضارة الإسلامية ولم تتواز فيها القوة الغالبة غلبة طبيعية مع الغلبة الثقافية، أو لم تتولد إحداهما عن الأخرى، وإن شهد الفن الإسلامي مسارب نفدت منها مؤثرات ثقافية مغولية كما في فن المنمات.

ومن هنا جاء اختيار السكران للاصطلاح الخلدوني مدركًا ومذكرًا بالغلبة الطبيعية الخاضعة للسننية، ومميزًا بينها وبين الهيمنة الإلهية والقرآنية أو التشريعية الكاملة والدائمة والمستقرة، ما يرسخ يقين المؤمن بالسنن الربانية ويحول دونه واليأس من تغير الأحوال، ويقطع بالمثل ظنون المغلوب باستمرار غلبة الغالب وإمكانية تمرده أو خروجه على السنن الربانية فلا استثناء.

.

الشاطبي ومقاومة التفكير الذري

.

يحضر الشاطبي لدى مؤلف سلطة الثقافة الغالبة في فقرة بعنوان ( الخضوع المضمر للثقافة الغالبة)، يحذر فيها المؤلف من الوقوع في شرك الخديعة بالكلام النظري الذي يردده بعضهم حول اتباعهم النص الشرعي بينما تكذب سلوكيات خطابهم بالإجمال مزاعمهم باتباعه.

فيقول :"إن ما يكشف التوجه الحقيقي للخطاب ليس (القاعدة المعلنة نظريًا) ولا (المسألة ولا المسألتين) وإنما تواطؤ المسائل الكثيرة المنبعثة عن مؤثر واحد، أو المتواردة على غرض نهائي واحد فهذه هي التي تكشف القواعد المضمرة للخطاب".

وهنا يستحضر المؤلف الشاطبي شاهدًا لقوله: "نبه المحققون من أهل العلم بشكل مبكر على أن كثرة التطبيقات تكشف القواعد الحقيقية للشخص حتى وإن لم يصرح بها، ومن هذه التنبيهات الرائعة مقولة شيخ غرناطة العلامة الشاطبي في كتابه (الاعتصام) حيث يقول (ويجري مجرى القاعدة الكلية كثرة الجزئيات)، وهذا الاقتباس من عيون تجليات الشاطبي رحمه الله".

ثم يقدم السكران مشهدًا لأصحاب الدعاوى السابقة ويجري عليه مقولة الشاطبي السابقة، فيقول:

" لو جاءنا شخص ينتسب إلى التقليد الديني وقال لنا : إن مشروعه هو تجاوز التقليد، ونبذ المألوفات التي نسبت للشريعة خطأ، وإعادة فحص الفتاوى الشائعة وأنه لا عبرة إلا بالنص الشرعي فقط، وأن هذا هو الطريق لنهضة الفقه وبعث التجديد الإسلامي وتقدم الخطاب الديني.

فما رأيكم في هذا الكلام ؟

بالنسبة لي شخصيًا أرى أن هذا تنظير في غاية الروعة، ولا يستطيع باحث موضوعي كائنًا من كان أن يعترض عليه، بل هذا مطلب شرعي أصلاً.

لكن حين جئنا للمواقف الجزئية والفروع والتطبيقات وجدنا هذا الشخص ذاته يحاول أن يميل بالمسائل لموافقة الفكر الغربي والقيم الغربية والثقافة الغربية أو على الأقل عدم التصادم بها".

لقد أدرك السكران المنفتح معرفيًا على الدراسات الاجتماعية والذي نص في تعقيبه على النص الخلدوني السابق على تحليل ظاهرة سلطة الثقافة الغالبة، أدرك أن تحليل الظواهر وتفسيرها يتناقض والمسلك التجزيئي للظاهرة. وهنا يحضر الشاطبي الذي عاصر توسع العلوم الإسلامية، وكثرة الشروح، وشروح الشروح والتشقيقات والتدقيقات والاستغراق في التفصيلات، نافذًا بمقولته هذه إلى ركام الجزئيات للخروج بالسلك الناظم لجميعها.

وهكذا استحضره السكران فكريًا ليجلو مآلات التفكير الذري، ويؤسس على قاعدته منهجًا أصيلاً في دراسة الظواهر، وليبدد برؤيته الناظمة ومنهجه الاستقرائي المرتقي نحو الكليات دعاوى اتباع النص عند من ينتهون بتطويع الشريعة للثقافة الغالبة بشكل أو بآخر.

.

ابن تيمية وتفعيل الزوج المفاهيمي

.

مما يلحظه المتأمل لنتاج شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- استعماله ما يوصف بالزوج المفاهيمي، وهو عبارة عن مفهومين متلازمين وإن بدا ازدواجهما أو تضادهما، مثل (القرمطة في السمعيات) و(السفسطة في العقليات)، ومثل (تأويل التحريف)، و(تفويض التجهيل)، وغيرها.

ويقترب ابن تيمية في استخدامه تلك الأزواج المفاهيمية مما يسمى بالنماذج التفسيرية بالاصطلاح الحديث، على نحو ما نراه عند المسيري من مثل (المجتمع التراحمي) و(المجتمع التعاقدي).

والأنموذج التفسيري المعروف في الدراسات الغربية والذي أضاف له المسيري أبعادًا متعددة وأسهم في توطينه في البحث العربي، يصوغه الباحث بناء على ملاحظته لجوانب الظاهرة فيعمل على تفكيك الواقع إلى مفاهيم رئيسة ثم يعيد تركيب تلك المفاهيم، بالربط بين مفهوم ومفهوم آخر بما يسهم في تفسير الظاهرة.

وإذا كان ابن تيمية استخدم أزواجه المفاهيمية في سياق الحجاج العقائدي، فقد استحضرها السكران ووظفها في سياق التحليل الثقافي، فتحت عنوان (مصائر الخضوع للثقافة الغالبة) تناول السكران ظاهرة (الكذب على الله) في القرآن الكريم، وجعلها على مرتبتين كذب على الله في الألفاظ، وكذب على الله في المعاني، واستحضر الزوج المفاهيمي التيمي فقال:" وهذا النوعان أشار إليهما الإمام ابن تيمية بتقسيم بديع حيث سماهما :(تحريف التنزيل) و(تحريف التأويل) فتحريف التنزيل يكون في الألفاظ وتحريف التأويل يكون في المعاني".

ثم استخدمه بوصفه أنموذجًا تفسيريًا بقوله: " وأما الكذب على الله في (المعاني) فينتشر كثيرًا بين النخب المثقفة ومتفقهة التغريب الواقعين تحت سلطة الثقافة الغالبة، حيث يسطون على نصوص الوحي فيفسرونها دون استيعاب لبقية النصوص الشرعية الأخرى، ودون استيعاب لتفسير الصحابة وأئمة التابعين، ودون تفطن لمواضع الإجماع، بل يفسر بعضهم الآيات القرآنية بما يعارض تفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم لها!

فكثير ممن يطرح قراءات للشريعة والتراث وهو واقع تحت سلطة الثقافة الغالبة يؤول به الأمر تدريجيًا إلى نسبة معانٍ ومفاهيم لله ورسوله مكذوبة عليهما، وهذه هي الكارثة حقًا ".

ويسعنا القول إجمالاً أن الفكر التيمي بمصطلحاته التحليلية التركيبية، عنصر فاعل في تحليلات السكران الثقافية وحجاجه الفكري، ولا نكاد نرصد غياب ابن تيمية في نصوص السكران لكثرة حضوره فيها.

.

التوظيف النقدي للتراث

.

اختط السكران لنفسه منهجًا نقديًا يجمع بين الأصالة والمعاصرة، برز في التوظيف النقدي للتراث في تحليلاته ونماذجه التفسيرية. وقد يتساءل القارئ ما الفرق بين حضور علماء التراث في أعمال السكران وأعمال معاصريه ؟ وكلهم يعضد مواقفه العلمية والمعرفية بتقريراتهم؟

الفرق في تصوري هو في صفة الحضور، ففي الوقت الذي نرى فيه استشهاد المعاصرين بمواقف العلماء وتقريراتهم العلمية في المسائل والقضايا المختلفة أي حضورهم بوصفهم شهداء نفي أو إثبات أو تقعيد أو ترجيح، يحضر العلماء لدى السكران بوصفهم مؤسسين ومشاركين فاعلين في تحليل الظواهر الثقافية.

وهذا الحضور لم يتجسد في موقف أو اثنين بل هو حضور ملحوظ على امتداد تحليل المؤلف لظاهرة سلطة الثقافة الغالبة .

ولن يُدهش القارئ إن قلنا أن ما أوردناه في الصفحات السابقة حول (سلطة الثقافة الغالبة) لم ننتخبه انتخابًا من ثنايا فصول الكتاب، بل استخلصناه من مقدمة كتابه ومما عنون له المؤلف بــ(المداخل النظرية) للكتاب، ما يعني تأسيسه الواعي لذلك النهج الذي لم يأت اعتباطًا ولا اتفاقًا، وهو ما نلحظه على امتداد فصول الكتاب وأواخره كما في حديثه عن عولمة المناسبات الاجتماعية كالأعياد، واستحضاره النص التيمي في التحليل.

ويمكن القول في نهاية هذه القراءة أن أعمال السكران الفكرية وإن لم تمثل مشروعًا مكتمل الأركان، ولم تحقق بعد التراكم النظري المطلوب، لكنها تكشف عن المنظور المنهجي للمؤلف إذ تمثل تلك الأعمال نسيجًا واحدًا، ينفتح فيها المؤلف على الأطروحات المعاصرة ويحاورها ويفيد منها دون أن يقيم العمود الفقري لمنهجه النقدي على مخرجاتها الفلسفية، فيقلد صنيع العاجز عن الإفادة من تراثه الفكري بالاتكاء على مرجعيات مستعارة.

.

.

   طباعة 
1 صوت
 
 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
5 + 7 = أدخل الكود
 
 
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة

المواد المتشابهة المادة التالية
 
 
جديد المواد
جديد المواد
قراءة في كتاب فلسفة الزي الإسلامي - القراءات الفكريــــة
 
 
القائمة الرئيسية
 

البحث
البحث في
 

القائمة البريدية

أدخل بريدك الالكتروني لتصلك آخر اخبارنا
 

عدد الزوار
انت الزائر :41096
[يتصفح الموقع حالياً [ 3
الاعضاء :0الزوار :3
تفاصيل المتواجدون