من حياد الأرصفة إلى معمعة الأسفلت !

عرض المادة
من حياد الأرصفة إلى معمعة الأسفلت !
6663 زائر
14-11-2016
ملاك الجهني

من حياد الأرصفة إلى معمعة الأسفلت !


>


"إن شيوع التحليل العلمي لشكل من الهيمنة له بالضرورة آثار اجتماعية، لكنها قد تكون ذات اتجاهات متعارضة... إنه أشبه بكشف سرّ دولة بطريقة تشجع على حشد الضحايا، ومن ثم فهو معرض لكل أشكال سوء التفاهم التي يكون التنبؤ بها أسهل من تبديدها مسبقًا".

بيار بورديو

>


ما زال المكوِّن الاجتماعي يؤدي دورًا مؤثرًا وحاسمًا في قضايا المرأة، وما زال يصعب على الكثيرات التمييز بين المكون الاجتماعي والشرعي في تلك القضايا. ومن هنا كانت القضايا المترتبة على علاقة المرأة بالرجل من أعقد القضايا المعاصرة وأكثرها شدًّا وجذبًا.

ومما يذكر في هذا السياق أنه تم التواصل معي قبل أشهر من طرف صحيفة هافينغتون بوست الأمريكية -النسخة العربية- للكتابة حول ما أثير حول قضية ولاية الرجل على المرأة، والإجابة على عدد من المحاور، ومن بينها محور يتصل بما أثارته منظمة هيومن رايتس عن الموضوع .

ولأنني كنت في ظرف دفعني للانقطاع عن الكتابة لعدة أشهر حولت الرسالة لأحد المهتمين، وطلبت منه أن يتفضل فيرسل لي ما صدر عن هيومن رايتس في هذا الموضوع تفصيلاً، لأتمكن من الإجابة بناء على تصور واضح للمسألة .

فما كان من ذلك الشخص إلا أجاب بنفسه عن الأسئلة بصيغة المؤنث، وأرسلها لي من ثمَّ، لأرسلها لهم بدروي بوصفي صاحبة الإجابات عوضًا عن أن يرسل لي ما طلبته منه بوضوح لا يحتمل الخلط أو التأويل !

وبالنسبة لي يعكس هذا التصرف تصورًا متجذرًا لدى البعض حول قدرة المرأة على مواجهة المواقف (المعرفية) استقلالاً متخصصة كانت أم غير متخصصة .

ولا يمكن لي وأنا الدراسة للشريعة والباحثة المهتمة بقضايا المرأة أن أعمم ما حدث بوصفه سلوكًا أغلبيًا أو أفسر هذه الوصاية المعرفية غير المبررة، ونسبة مالم أقله لشخصي بكونهما شكلاً من أشكال (الهيمنة الذكورية) المستندة للشريعة، فهذا السلوك ليس من الشريعة في شيء، ولا يمثلها ولا أخلاقياتها بحال !

والواقع أن قضية الولاية نفسها تشكو مثل هذا الالتباس وهذه التعقيدات والتداخل بين الشرعي والاجتماعي، وتطرح الكثير من الأسئلة والممارسات والمواقف للتأمل والفحص والمراجعة.

فالمواقف في هذه القضايا توزعت ما بين محاولة صريحة لإخراج الشريعة من دائرة الحياة الاجتماعية، وبين الدفاع عن المبدأ الشرعي، وهو حق وعدل لا ينبغي إسقاطه بباطل أو ظلم .

لكن المؤسف أن يتجاهل بعض أصحاب الموقف الأخير واقع التعسفات المرتكبة تجاه المرأة تحت هذا العنوان، ويكتبون في المبادئ الإسلامية وحكمتها وكمالها وجلالها بصورة منفكة عن الواقع، وكأن ما نال هذه المبادئ من تشويه ومحاولات إسقاط لم يتم التوصل إليه برابط من الواقع، وكأننا مسؤولون عن الانتصار للمبدأ فحسب وغض الطرف عن الواقع باعتباره ليس جزءًا من عملية الإصلاح التي هي واجب شرعي بالمثل، رغم أن آيات الأحكام المتصلة بالطلاق والصداق والعدة وغيرها من الأحكام الأسرية في القرآن وَصَلَت الحكم بالواقع، بل بما قد يتضمنه ذلك الواقع من تعديات، فنهت عن التعسف في استخدام الحق، في الوقت الذي شرعت فيه هذه الحقوق، وأعقبتها بوعيد شديد لمن يسخِّر حقَّه من الرجال للنيل من حقوق المرأة أو كرامتها !

ويقف على مقربة من هذا الموقف وسابقه خطاب عريض يجمع بين الجهل بالمبدأ الشرعي والمطالبة بإصلاح الواقع بتقويض الولاية المقررة شرعًا.

وبين هذه الخطابات يبهت حضور الخطاب الواقعي الذي يوازن بين حفظ الأحكام الشرعية، والمطالبة بإصلاح ما لا تعضده الشريعة أصلاً من ممارسات يعد إقرارُها -في حقيقة الأمر- تثبيتًا لما هو قائمٌ اجتماعيًا لا غير.

ويزيد الأمر تعقيدًا تدخُّل جهات خارجية في دعم الحملات المطالبة بإسقاط الولاية واستقواء صاحباتها بالخارج، مما حول القضية لجبهة لصراع التيارات الذي يخفت فيه عادة التحليل الموضوعي ويتم فيه التسوية بين القضايا الفردية أو المحدودة، والقضايا التي بلغت بكثرتها وتواترها حد الظاهرة، فيحدث أن تُقسَّم الخطابات إلى (مع أو ضد)، دون مناقشة تفصيلات قد يتفق حولها الطرفان أو يقبلان بعضها ويرفضان الآخر.

اللافت في هذا المشهد أن المطالِبات بإسقاط الولاية يخضعن لألوان من الهيمنة لكنهن لا يرين منها سوى لونًا واحدًا، هو الولاية الشرعية بنسختها المشوهة عمدًا أو جهلاً، ويوصلن رسالة لا تثبت استقلالهن بقدر ما تثبت تبعيتهن، والاختلاف يقع في نوعية المهيمن وحدود وعي التابع. ومن المفارقات أن تلجأ بعض الثائرات على الولاية الشرعية لهذا المثقف أو ذاك يتسولن دعم قضيتهن ومنح نضالهن صبغة مشروعية. إنها (ذهنية التابع) ذاتها تلك التي تملي عليه الفرار من عباءة متبوع لآخر، إنه تبديل يختلف فيه الهامش المكتسب لا أكثر ولا أقل .

وقد كانت عباءة من يصفون أنفسهم بالمثقفين المستقلين على رأس تلك البدائل، وفي الوقت الذي ينادي فيه بعض المثقفين بيقظة الوعي والانفتاح على الآخر ينخرط بعضهم في تحيزات واضحة يخسر فيها حياده المقدس والحد الأدنى من موضوعيته .

ويبدو أن اللجوء للمثقف في عصر وسائل التواصل أصبح طريقًا ثالثًا أو صيغة توفيقية كأي صيغة توفيقية أخرى تجد ووجدت لها تاريخيًا فرصة للتشكل بين أطراف تظل حبيسة فضائها الصراعي، ويبدو أننا نشهد إعادة صياغة لدور "المثقف الداعية" ذاك الذي ينأى بنفسه عن وصف الإسلامي وليس داعية في حقيقة الأمر، والذي نادى عبد الإله بلقزيز بنهايته، واصفًا إياه بــــ"مثقف العُسْر" وبأنه "لا يخاطب عقل جمهوره، بل يخاطب وجدانه"!

فقد برز لنا هذا المثقف بمقابل شيخ الشريعة، وأصبح هذا المثقف بطريقة ما هو المثقف المفتي، المثقف الحكم، والمحكّم في الفصل في نزاعات أرضيات التواصل ومنها مسألة الولاية !

حتى لكأن بعض المثقفين يستبطن صراعات المرحلة السابقة ولا يسعى لتصفية حساباتها بقدر ما يبدو معجبًا ومتقمصًا لدور القائد مع الأتباع، وكان يفترض بمثل هذا المثقف على الأقل ألا ينزلق في دعم سافر يسوِّي به القضايا العادلة بالجهالات الفادحة .

فإذا كانت بعض المطالِبات بإسقاط الولاية يجهلن الفرق بين المبدأ والممارسة وأن الشرع لا يقر ظلمًا ولا يسوغ لظالم ظلمه أو تعسفه، فهل يجهل المثقف أو المراقب الموضوعي ذلك أو يتجاهله مغادرًا أرصفة الحياد لمعمعة الأسفلت بهدير حركته وازدواجيتها وصداماتها !

إننا نستمع لقصص كثيرة ونشهد أحداثا وتجاوزات أليمة بحق المرأة، كما نستحضر العديد والعديد من الحديث عن ممارسات لا يقرها الشرع وأقرتها المحاكم، لكن هذا كله لا يسوغ لنا بحال الاكتفاء بتلك المنقولات والشهادات والقصص الفردية ونطلق الأحكام تحت ضغط العاطفة أو الوعي المُضلَّل لا غير !

هذه القناعة هي ما حملني على تسجيل عدد من الاستفسارات المتعلقة بواقع المحاكم وطرحها للنقاش مع مستشارة قانونية، وتبادلنا حولها الحوار شفاهًا وكتابة في عدة جلسات، وفوجئت بحجم جهل النساء بحقوقهن وواقع قضاياهن، ما القضايا التي تشكل استثناء وما التي تصل إلى حد الظاهرة؟ وهل المرأة ضحية في كل الحالات أم أنها شريكة في التفريط بحقوقها؟

بعض ما تم ادعاؤه من أحكام تتعلق بالولاية غير صحيحة أصلاً، وبعضها أحكام سارية على الرجل والمرأة على السواء ولا علاقة لها بالولاية، وبعض ما ذكر لا يسري على أي منهما، وبعضه مضمَّن تحت ما يعرف بالحماية من الإيذاء، وبعض ما طولب به مما يمكن استصداره بسهولة...، وهذا وغيره لا يعني نصاعة الصورة على الإطلاق، كما لا يعني الكف عن المطالبة بالإصلاح.

بل يعني أن هناك (كثيرًا من الخلط، كثيرًا من الاستغلال، قليلاً من التبصُّر)، هذا ما يمكن أن يصف باختصار حقيقة تناول هذه القضية على أرض الواقع.

   طباعة 
7 صوت
 
 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
3 + 1 = أدخل الكود
 
 
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة

المواد المتشابهة المادة التالية
 
 
جديد المواد
جديد المواد
بين حملة إسقاط الولاية وتقرير وزارة العمل - المقـــــــــــــــــالات
 
 
القائمة الرئيسية
 

البحث
البحث في
 

القائمة البريدية

أدخل بريدك الالكتروني لتصلك آخر اخبارنا
 

عدد الزوار
انت الزائر :43312
[يتصفح الموقع حالياً [ 4
الاعضاء :0الزوار :4
تفاصيل المتواجدون