التحولات الثقافية في المملكة العربية السعودية وأسئلة الشك الأنثوي - إلى أي تجديد نتطلع -

عرض المادة
التحولات الثقافية في المملكة العربية السعودية وأسئلة الشك الأنثوي - إلى أي تجديد نتطلع -
2256 زائر
25-02-2015

التحولات الثقافية في المملكة العربية السعودية وأسئلة الشك الأنثوي

- إلى أي تجديد نتطلع -

أدت التحولات الثقافية الكبيرة والمتسارعة منذ الثورة الأخيرة في عالم الاتصالات والتدفق الهائل للمعلومات عبر الشبكة العنكبوتية والوسائط التابعة لها لانكسار الحواجز المعنوية بين الجنسين في المملكة العربية السعودية وأصبح الفضاء الافتراضي جامعًا لهما، ووجِدت مجالس افتراضية كثيرة تبادل فيها الشباب والشابات الحوار حول اهتمامات عامة وهوايات مشتركة كالقراءة والموضوعات الاجتماعية والثقافية. ورغم الحضور الأنثوي النسبي في مشكلات حادثة لم يسبق للمجتمع السعودي أن عايشها بوجهها ونمطها المعاصر كالإلحاد الذي أخذ يُطل برأسه في صفوف الشباب والشابات- رغم هذا وغيره- ما زال تقدير حجم اهتمامات المرأة الفكرية في التصور الرجالي أشبه بحجم الموقع الذي تحلته نجمة صغيرة في مجرة اهتمامات المرأة المكتظة بــ(أشياء) أخرى !

المرأة السعودية وإدراك الذات

بتزايد الوجود الأنثوي في الفضاءات الافتراضية المشتركة لم تعد المرأة الفتية أو الناضجة تدرك ذاتها في حدود المحيط الأنثوي الخالص، بل أصبحت تفكر وتتحدث وتتعاطى المعرفة والثقافة الحرة خارج الإطار الأنثوي؛ فما وفرته شبكة الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي من وسائط معرفية متعددة وناقلة للأحداث والآراء بصفة تلقائية ومباشرة أحدث تحولاً حقيقيًا وملحوظًا في نوعية الاهتمامات الأنثوية وحجمها نسبة للعهود السابقة، ونتيجة للحراك الفكري في المملكة خلال السنوات الأخيرة وتحولات بعض المنتمين لجيل الصحوة السابق وانتقاداتهم العلنية لما يصفونه بالتدين التقليدي، وبث الوسائل الإعلامية التقليدية والجديدة لسجالات التيارات الفكرية في الداخل السعودي بدرجة أكبر، وارتفاع النبرة النقدية والحقوقية وبخاصة في الفترة المتزامنة مع تحولات الربيع العربي، بدأت المرأة غير المنتمية أو المحسوبة على تيار معين بالمبادرة للنقد في هذه الأجواء المحفزة والمواتية والتي لم يكد يبقى فيها شيء بمنأى عن النقد، وكان قد أصبح انتقاد مؤسسات كهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي جرى توجيه النقد لها مرارًا عبر الصحافة أمرًا غير مستغرب، حتى انتشر مقطع على اليوتيوب تستفز فيه إحدى الفتيات موظفًا تابعًا لجهاز الهيئة كان قد وجَّه لها النصح في مجمع تجاري.

لكن المرأة لم تنخرط في النقد السياسي وبقيت بعيدة في الغالب عن الحملات الحقوقية ذات الطابع السياسي، إذ لم تشارك فئات نسائية بارزة في حملات حقوقية من هذا النوع.

ومن زاوية أخرى فقد ارتفعت الاهتمامات الأنثوية الأدبية والثقافية مع الانفتاح الثقافي المذكور ضمن موجة شبابية شملت أقلامًا من الجنسين، وإن لم ينبنِ نتاجها العام والأنثوي منه بوجه خاص على معرفة تراكمية أو صلة وثيقة بالفن غالبًا، وكان جزءٌ كبيرٌ من ذلك النتاج أشبه بمذكرات شخصية، وطُبع جانبٌ منه بطابع متمرد ضد الفكر الديني والعادات والأعراف الاجتماعية، وكان أشبه بثورة ثقافية (محدودة) ضد السائد الثقافي أيا كان نوعه.

ومثلت الموجة الروائية الأنثوية السعودية في تلك المرحلة تمردًا ضد الضوابط الأخلاقية وبدا عنصر التحرر الجنسي فيها واضحًا لدى المتابع المحلي كما لم يغِب عن المتابع الخارجي، حتى صرحت أحلام مستغانمي في لقائها الأخير بقناة العربية ضمن برنامج (صباح العربية) في الحادي عشر من نوفمبر 2014م، وبمناسبة حضورها إلى معرض الشارقة للكتاب بأنها أقل تحررًا من بعض الروائيات (الخليجيات) وأنهن تجاوزنها أشواطًا، وأنها لا تعيب عليهن-على حد قولها-، في حين تستحي من قبر أبيها أن تكتب ما يُخل بالاحترام. ومن الواضح أن عبارة مستغانمي لا تخص الروائيات السعوديات وحدهن، ورغم كونهن نسبة محدودة لكنها لافتة نوعيًا بالنظر لمجتمع محافظ.

ولم تتبع الموجة الروائية أو تُزامنها موجة كتابات فكرية ذات طابع استثنائي، ولم نرصد في هذا الجانب سوى كتابات متفرقة لا تكاد تخرج عن النمط المألوف في طرح قضايا المرأة.

تحولات الربيع العربي والحِراك النسائي

تزامنًا مع موجة المظاهرات وحملات المطالبة بالحقوق المدنية التي انتشرت في المدن العربية، وتحول الاعتصام لأداة مألوفة ومستخدمة عربيًا في الحصول على الحقوق في أماكن متفرقة، عملت بعض السعوديات على تدشين حملات حقوقية لرفع تظلماتهن للجهات المعنية في قضايا كالبطالة وغيرها، وشهدنا لأول مرة تجمعات واعتصامات نسائية خارج أي تصنيف؛ فلم يجرِ وصفها أو اتهامها بالتغريب أو الأخونة أو التطرف، وتمثلت في حملة خريجات الكليات المتوسطة، واللافت في هذا الحراك الذي توزع على عدة مدن سعودية كاعتصام الخريجات في مدينة جدة أمام كل من مبنى الخدمة المدنية ووزارة التربية والديوان الملكي، وقد نشر خبر هذه التجمعات في صحيفة الحياة بتاريخ 6/9/ 2011م، ومثله الاعتصام الذي تم أمام الديوان الملكي في الرياض في الشهر التالي من العام نفسه، واعتصام مدينة تبوك في الثامن عشر من سبتمبر من العام التالي، اللافت في هذا الحراك أنه لا يحمل داخله بذور ثورة حقيقية إسوة بالثورات المجاورة، كما لا يحمل بذور ثورة (أنثوية) إسوة بمظاهرات النسوية الغربية وما شاكلها، فقد خرجت المعتصمات في حملتهن للمطالبة بحقهن في العمل إسوة بنظيراتهن من النساء من خريجات الكليات التربوية لابنظرائهن من الرجال-أي خارج أي إطار (جندري)-وذهبت المعتصمات بحجابهن لإيصال مطالبهن بصفة (المواطنة) لابصفة (الأنثى المضطهدة)، ولم تشتبك مطالب المعتصمات والمجتمعات في هذا الحراك بأي مظهر من مظاهر التمرد على الدولة أو الدين، ولم يمثل الحجاب بنظرهن رمزًا لتهميش المرأة أو الحيلولة بينها وبين الحصول على حقوقها، ولم يكن احتفاظهن بحجابهن عن سابق ترتيب، كما لم يكن هدفهن إيصال صوتهن للعالم الخارجي ولم يُثِر تجمعهن اهتمام مندوبي وكالات الأنباء العالمية، ولم تقم أيٌ منهن بإجراء مقابلة مع إحدى هذه الوكالات على غرار ما ذكرنه صاحبات كتاب (السادس من نوفمبر: المرأة وقيادة السيارة1990م)، بل رفعن لافتات تطلب وصول مطالبهن للملك وخرجنَ بحجابهن بعفوية تشي بإدراك السعوديات لتفرد تجربتهن ومكاسبهن التي وفرتها لهن الدولة دون أية سابقة نضالية تُذكر، وعدم وقوف حجابهن دون حصولهن على أعلى الدرجات العلمية في داخل السعودية وخارجها، حيث كُرِّمت العديد من المخترعات والعالمات السعوديات في تخصصات علمية مختلفة في محافل عالمية دون أن يخلعن حجابهن، على الرغم من تقارير المتابعين للشأن السعودي من الغربيين المصورين للمرأة السعودية وكأنها تعيش داخل سجن كبير بحرمانها من قيادة السيارة، أوباختفائها تحت الحجاب، أو بعدم وجود فرص مواتية للمواعدات بين الجنسين وتشكيل علاقات مفتوحة ومتحررة على النمط الغربي؛ ولذا لا يصدق على هذه الحملات وصف الثورية بأي وجه من الوجوه السابقة، وأثر الربيع العربي فيها–إن صحَّ له أثر-لا يعدو الصدى الحقوقي الصادر عن الحناجر الشبابية في دول الجوار، وتوظيف الاعتصامات والتجمعات بوصفها أداة أثبتت فاعليتها في التجارب المشار إليها لا أكثر، على أن تزامن الاعتصامات والتجمعات النسائية مع الربيع العربي لا يُعد دليلاً كافيًا لإثبات الأثر والتأثر بينهما، نظرًا لوجود تجمعات رجالية سابقة على هذا التاريخ بسنوات وللغرض نفسه كتجمع خريجي كليات المعلمين أمام وزارة التربية وقد نشر خبره بصحيفة شمس بتاريخ 23/ 3/ 2009م.

أسئلة الشك الأنثوي وغياب الرؤية البنيوية

لم يهدأ صراع التيارات في المشهد الفكري السعودي ولم يبقَ على حاله بل ازداد ضراوة مع ظهور استعارات جديدة للتصنيف كــ(الداعشية)، واستحداث ساحات أخرى أضحت موضوعاتها سببًا للسجال حول قضايا المرأة مع دخول النساء لمجلس الشورى وشيوع أخبار الاختلاف في وجهات النظر النسائية بوسائل الإعلام المتنوعة.

لكن الشريحة النسائية الأكبر ما زالت تتعاطى الأفكار خارج المشهد السابق رغم تفاعلها معه، وفي هذا الطقس الفكري غير المستقر والمتقلب بصورة سريعة ومتتابعة وغير متوقعة أحيانًا، لمعت حِمَم الأسئلة الأنثوية بصورة لا يكاد يخطئها المتابع وهي تتطاير في سماء الوسط الافتراضي، وإذا جاز لنا أن نصنف الأسئلة الأنثوية الشكيَّة فنصنفها لثلاث أسئلة كبرى تفيء إليها معظم التساؤلات الأخرى، هي: سؤال الوجود، وسؤال العدل، وسؤال الاتساق.

فأما سؤال الوجود فيدور حول قسمة الذكورة والأنوثة، ومسألة خلق الأنثى من الذكر، وهل وجودها تابع لوجوده، وهل وجدت فقط لإيناسه وإمتاعه؟

وأما سؤال العدل فينبثق عن السؤال السابق ويتصاعد للعدل الإلهي وتتصل تداعياته بالنص مباشرة في موضوعات من مثل تفضيل الرجل على المرأة، وعدم تساويهما في الشهادة والميراث والتعدد الزوجي-مثلاً-وقد يهبط التساؤل لمستوى التأويل البشري المتهم بالحرفية والسكونية أو الإقامة الدائمة داخل زمن السلف الصالح.

وأما سؤال الاتساق فيجول في ميدان البشري القديم منه والمعاصر كاتساق تكريم الإسلام للمرأة مع انتقاص بعض شُراح النصوص لها، أو استخدام المصطلحات الشرعية من معاصرين في سياقات انتقاصية مهينة يلتبس فيها الديني بالاجتماعي بصورة مربكة أحيانًا.

هذه الأسئلة ومتعلقاتها في الواقع لم تفتقد غالبًا لإجابات في الدائرة الشرعية، وكثيرًا مانصادفها مسبوكة في قوالب على هيئة شبهات وردود متفرقة أومصنفة موضوعيًا في معظم الأحوال تحت عنوان:شبهات حول المرأة.

لكنها تعاني (التجزئة) وتفتقر للتأسيس لها بوصفها (بُنية)، ومنها ما هو معلَّق حتى الآن ولم يحظَ بإجابات بنيوية كمبحث (أخلاق المرأة في التراث الإسلامي)، والذي تختلط فيه المفاهيم الدينية بالرؤى الشخصية الخاضعة لتأثير الواقع الاجتماعي ولم نصادف-بحسب اطلاعنا جهودًا نقدية حاولت التمييز في المقولات المبثوثة في كتب التراث حول أخلاق المرأة بين ماهو خبرة ذاتية تخص الكاتب، وماهو طبيعة مستقرة في المرأة، وماهو ظرفي (مكاني/زمني) متغير.

خاصة وأن مسار الدراسات النسائية الإسلامية مازال ومنذ الاحتكاك الثقافي بالغرب يجابه غالبًا التحديات الثقافية المختلفة وقليلاً ما يتلمس أسئلة المسلمة بعيدًا عن غبار المواجهات الفكرية المعهودة، والتحولات الثقافية التي شهدها المجتمع السعودي لم تنتج تمردًا شبابيًا شمل الأنثى المتمردة فقط، بل أنتجت هذه التحولات الأنثى القلقة المتسائلة في انزواء لاتثير فيه الصخب لتلفت إليها النظر أو لتمتطي به موجة تعلو بها للشهرة في زمن الاستقطاب الإعلامي، بل لتبحث عن إجاباتها عن أفراد المسائل المتصلة بها داخل عدة أطر دون أن تتخلى عن وثوقيتها بتوفر مرجعيتها الإسلامية على الجواب وإن لم تظفر به جاهزًا على نحو مقنع، لتأخذه عن مرجعية نسوية لا تخلو بالمقابل من وثوقية تقدم بها الفكرة النسوية خارج الأطر الدينية باعتبار الأصل العلماني للنسوية.

عن تلك الأنثى المعلقة بأسئلة كهذه نكتب، عن أنثى فقدت الأمان الفكري وما زالت تجول في مرجعيتها الإسلامية بحثًا عن إجابات تطمئن لها معرفيًا، في وقت لم تعد فيه الحاضنة المعرفية الاجتماعية تقتصر على مصادر محدودة للتلقي وتبث أفكارًا متجانسة في الغالب كما في سابق عهدها، بل باتت مفتوحة لتدافع مختلف الأفكار مذ تبدلت الأحوال ولم يعد هناك (حارس للبوابة)-على حد وصفهم-فلا تجد داخل هذه الحاضنة إجابات تركيبية متماسكة تبين لها فلسفة الإسلام في المسائل المتصلة بها بصورة شمولية، ولم يعد الخطاب الإسلامي الجماهيري يُلبي حاجاتها المعرفية، كما لاتلبيها أطروحات الطرف الليبرالي المقابل داخل (الوطن) باعتبارها أطروحات غير مقنعة أومتسقة مع مبادئها ولاتتصف بالعمق المعرفي، فسؤال الوجود على سبيل المثال يتصل بقصة الخلق ونظرية اللغة الأنثوية متصلة اتصالاً وثيقًا بقصة الخلق والأصل والفرع وغلبة المذكر وهيمنته، فهل وجدت المسلمة المحترِمة للنص الثابت في الخلق في أطروحات الليبرالية التي هي في الجملة (تقليدٌ داخل التقليد) مايُهدئ قلقها المعرفي!

أم هل وجدته في أطروحات الخطاب الإسلامي المعاصر الذي يصف مثل هذه المسائل بالنخبوية ولاتحتل أولوية في سلم اهتماماته الفكرية-تأصيلاً ونقدًا-انطلاقًا من التصور السابق حول حجم اهتمامات المرأة الفكرية، وإعمالاً لمقولة صحيحة في ظروف غير مواتية كمقولة (أميتوا الباطل بقلة ذكره)، بينما يتقافز الباطل هنا وهناك في وسائل إعلامية وتواصلية تُكرر الصورة وتكثِّف الفكرة بما يوحي للمتابع بكثرتها وكثافتها على أرض الواقع!

مسارات التجديد في مسألة المرأة والثالث المرفوع

في الوقت الذي كانت تتجه فيه التطلعات لتَشكُّل مسار إسلامي للدراسات النسائية المواكبة للواقع وبرؤية منفتحة على العالم، ودون أن تذوب في كون الثقافة المهيمنة-كالأطروحات النسوية العلمانية-ظهرت لنا أطروحات نسوية إسلامية تأويلية تستخدم المناهج الحداثية ذاتها ولاتختلف بالنتيجة عن الأطروحات النسوية العلمانية في الخاتمة والمآل، وكل ماهنالك أنها تسلك منعطفًا طويلاً وكثير التعرجات لتُدخل المطالب العلمانية من الباب الخلفي!

وإذا كانت أزمة العقل السلفي في تناوله لقضايا المرأة تتمثل–بحسب منتقديه-بالسكونية داخل النموذج السلفي فأزمة العقل النِّسوي بصيغتيه (العلمانية-والتأويلية الحديثة) تتمثل في السكونية داخل النموذج الغربي وعدم قدرة هذا العقل على التفكير والإبداع بعيدًا عن التأثير الهائل للمدونة الحقوقية الغربية ومفاهيمها وقيمها الموصوفة بالكونية، ولاندري هل سيتداعى هؤلاء يومًا ما لحرق مدونة حقوق الإنسان كما تداعى بعض الغربيين لحرق ديكارت-رمزيًا-لإعاقته للعلم؟وهل سيستطيع العقل النِّسوي في العالم العربي والإسلامي أن يحرر نفسه ويُنتج فكرًا تواصليًا لايتجه بنا نحو كون الثقافة الغربية المهيمنة للذوبان فيها أوترديد أصدائها، بل للتحاور معها ومشاركتها والإضافة لها؟

فكما تتشوف التيارات النسوية للتجديد العملي المنفتح ثقافيًا تتشوف مسلمات أخريات كذلك لتجديد بنيوي عملي من زاوية نظر مختلفة لاتتمخض بالضرورة عن اختلاف المحتوى الحادث عن السابق بل جِدَّته بناءً وتركيبًا وضخًا في أوردة المجتمع الثقافية والتربوية والتنفيذية كتسهيلات إجراءات التقاضي للمرأة ومعالجة مايقع من صنوف التفرقة (غيرالشرعية) وغير العادلة بين الجنسين في مؤسسات المجتمع بكافة أطيافها.

لكن هذه الرؤى النسائية غير النِّسوية وغير المتشبعة بإيديولوجيا راديكالية أشبه بالخيار(الثالث المرفوع) من الساحة النسوية علمانية كانت أم تأويلية توفيقية، ومبدأ الثالث المرفوع في المنطق (الأرسطي) يعني أنه إذا صدقت إحدى القضيتين المتناقضتين كذبت الثانية ولا ثالث بينهما، والاستعارة هنا ليست مطابقة تمامًا لما نحن بصدده والمراد بها عدم استيعاب الساحة النسوية بتياريها العلماني والتوفيقي للتيار النسائي الإسلامي غير النسوي، ورغم أن كلاً من التيارين المذكورين يطرح نفسه باعتباره وحده القادر على حل مشكلات المرأة العربية أو المسلمة بخلاف التيار الآخر، لكن كلاً منهما لايقصي التيار الآخر واقعيًا بل قد تجتمع الرؤى المختلفة بين دفتي كتاب، وكلٌ منهما أيضًا يستبعد التيار النسائي غير النسوي والذي وُصِم بالتشدد والتبعية السلبية للرجل، وأُهملت أطروحات هذا التيار أوشُوهت أوعُزلت بنعومة تحت مسمى الإسلام السياسي، واتهمت نساؤه بالتحرك تبعًا لدوافع براجماتية تمليها أيديولوجية حركات الإسلام السياسي على جناحها النسائي، رغم أن تلك الحركات بأطيافها المتعددة لم تخل من اجتهادات توفيقية تقليدية كتوفيقية الشيخ محمد عبده ومن سار مساره، كما اتهمت نساء ما يوصف بالإسلام السياسي بـخدمة مقاصد الذكورة المهيمنة بحجج دينية داعمة كـــ(القوامة والدرجة والفضل) يُعِدن من خلالها مقولات التفكير الفحولي وآلياته، كما تصفهن النسوية العلمانية آمال قرامي، ومثلهن نساء التيار السلفي فقد ألصقت بهن التهم السابقة وتم إخراجهن من دائرة الفكر النسوي باعتبار المنهج السلفي منهجًا اتباعيًا صرفًا لا تخالطه اجتهادات توفيقية تقليدية كما قضى بذلك المفكر العلماني فهمي جدعان، فكان أن هُمشن تمامًا رغم ضخامة الحراك النسائي السلفي-في السعودية-والتطور الملحوظ لحراكهن، وتحوله من الفردية إلى المؤسسية واستقلال غالبية المشروعات النسائية الإسلامية التنموية الحديثة عن الرجل تخطيطًا وتنفيذًا وإدارة وتقويمًا في مختلف المجالات التعليمية والبحثية والإيمانية والتثقيفية والتربوية والتدريبية، ورغم بروز مرجعيات نسائية (مجدِدة) في نوازل عقدية سبقت فيها المرأة الرجال كقضايا الفكر العقدي الوافد وتقنيات الاستشفاء المستندة للفلسفات الشرقية، حيث تمكنت النساء اللاتي جمعن بين المعرفة العقدية والإلمام بلغات أخرى انفتحن من خلالها على مصادر الفكر الوافد، تمكنَّ من مواجهة الخرافة المعاصرة بأدوات معاصرة ومنهجية سلفية أصيلة، الأمر الذي يؤثر في المرأة وإن بصورة غير مباشرة فمما لايُلتفت إليه في الحالة السعودية هو أثر الحركة الإصلاحية الوهابية في تنقية المجتمع من الخرافة، الأمر الذي لازالت تعاني منه مجتمعات عربية وإسلامية أخرى بقيت فيها الشريحة غير المتعلمة من النساء أسيرةً للجهل والخرافة ووعود رعاة الأضرحة.

على أن الحاجة لم تزل مُلحِّة للطرح التجديدي الإسلامي الإصلاحي (البنيوي) في مختلف المجالات المتعلقة بالمرأة والمؤسس عقديًا ومعرفيًا وقيميًا على الإسلام، طرحٌ يتصل فيه التنظير بالتطبيق عبر مستويات متعددة ودون أن تُختزل فيه قضايا المرأة في حدود الموضوعات التي يفرضها الصراع الأيديولوجي، أو تُلغي فيه المسلمة فاعلية النص وتفرغه من محتواه تأويليًا لينسجم مع الضمير الحديث، أو تفقد فيه المسلمة شخصيتها الحضارية تحت لافتة دعائية موهِمة بالإسلامية.

هذا هو التجديد الذي تتطلعُ إليه نساء مسلمات غير مرتهنات بالضرورة لما يسمى بتيارات الإسلام السياسي، نساء ينتمين فكريًا وروحيًا لمرجعية إسلامية سلفية (المنهج)، ويصدرن عنها ولسن أسيرات سلفية حزبية كما يجري وصفهن، أو مقدِسات لأخطاء التحققات التاريخية للسلفية.

ملاك إبراهيم الجهني

   طباعة 
5 صوت
 
 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
6 + 1 = أدخل الكود
 
 
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة

المواد المتشابهة المادة التالية
 
 
جديد المواد
جديد المواد
بين حملة إسقاط الولاية وتقرير وزارة العمل - المقـــــــــــــــــالات
من حياد الأرصفة إلى معمعة الأسفلت ! - المقـــــــــــــــــالات
 
 
القائمة الرئيسية
 

البحث
البحث في
 

القائمة البريدية

أدخل بريدك الالكتروني لتصلك آخر اخبارنا
 

عدد الزوار
انت الزائر :41096
[يتصفح الموقع حالياً [ 3
الاعضاء :0الزوار :3
تفاصيل المتواجدون