أميرُ النساء: عبد المجيد الشرفي وذوات المغزل

عرض المادة
أميرُ النساء: عبد المجيد الشرفي وذوات المغزل
9510 زائر
18-02-2015

أميرُ النساء:

عبد المجيد الشرفي وذوات المغزل

ليس لذِكر الإمارة والنساء في العنوان علاقة بالصورة التراثية للحياة الاجتماعية المشوهة والمستقاة من كتاب ألف ليلة وليلة، فليس ثمة عالم خيالي ولا أمير تحيطه محظيات وقيان، تصبح وتمسي معهن الثقافة والأدب سُلَّمًا للمتعة الشهوانية، لا فرق في ذلك بين راقصة وأديبة.

فإيراد الإمارة هنا لما تحيل عليه من معاني الرئاسة والقيادة. وأمير ذوات المغزل هنا هو الدكتور عبد المجيد الشرفي، فليس سرًا أن الشرفي هو حامل لواء الفكر الحداثي ورئيس الحداثيات العربيات في تونس، والذي صنَّفه المؤلف المغربي رشيد بن زين (مفكرًا مسلمًا) في كتابه (المفكرون الجدد في الإسلام).

ما دفع محمد الطالبي المفكر التونسي والعميد السابق للجامعة التونسية ورائد المدرسة الحداثية في تونس([1])، وأستاذ عبد المجيد الشرفي للاعتراض على وصف رشيد بن زين للشرفي بالمفكر المسلم.

وعوضًا عن ذلك وصف الطالبي تلميذه عبد المجيد الشرفي وتلميذات الشرفي بالانسلاخ عن الإسلام، مطلِقًا عليهم مصطلح (الانسلاخسلاميين)، في الجزء الأول من كتابه (ليطمئن قلبي) والذي خصصه للدفاع عن قضية الإيمان ومواجهة تحديات الانسلاخسلامية، فكتب الطالبي تحت عنوان: عبد المجيد الشرفي والتنظير المنهجي للانسلاخسلامية المقنَّعة:"إن الأستاذ عبد المجيد الشرفي يحتل كرسي الفكر الإسلامي والحضارة العربية بجامعة تونس الأولى، وهكذا يصف نفسه، وهو مؤسس هذا الكرسي. غير أننا إذا ما اعتمدنا مؤلفاته وأطروحات بعض تلاميذه بإشرافه وتوجيهاته كأطروحة نائلة السليني...لا مناص لنا من أن نعتبره منظر الفكر الانسلاخسلامي، لا مفكرًا مسلمًا كما يقدم نفسه وهمًا أو توهيمًا، ويقدمه المغربي رشيد بن زين. فهو مؤسس مدرسة رفع القداسة عن القرآن بكلية منوبة"([2]).

وينبِّه الطالبي المتمسك بأسسه الحداثية إلى أن قصده النقد، لا المساس بحرية الشرفي، أو بشخصه، فيضيف:"وهو حرٌ في أفكاره وآرائه كلها وحريته مقدسة بالنسبة إلينا، ولا تنقص شيئًا من صداقة الزمالة التي تربطنا به، غير أنه ليس من حقه أن يُلبِّس ويموِّه ويُغوي. الحرية ليست حرية التدليس. فهو إطلاقًا ليس مفكرًا مسلمًا بالمفهوم القرآني للعبارة، وقد قدمناه، وهو لا يجهله. فهو لا يجهل القرآن ولا يجهل الآيات الأولى من سورة البقرة، وقد بدأنا بها قصدًا، ورفعًا لكل التباس وتدليس بالإحالة على كلام الله"([3]).

أصول المدرسة الانسلاخسلامية

تولى الطالبي بيان المقولات الأساسية في التنظير المنهجي الانسلاخسلامي لما سماه بمدرسة رفع القداسة عن القرآن، في كتابات عبد المجيد الشرفي وموجزها:

التنظير إلى أن الإسلام أنواع: فــ"ليس هناك إسلام واحد عبر الزمان والمكان" بحسب ما يراه الشرفي، والإسلام عنده حركة تاريخية ذات صبغة دينية اتخذت أشكالاً متعددة، وهذا يفسح المجال لاعتبار التنظيرات الانسلاخسلامية أيضًا شكلاً من أشكال الإسلام المتعددة، وهكذا يتهيأ الناس لقبولها بدون تحفظ ولا حرج، أي أنه ليس هناك عقيدة معينة في مفهوم الرسالة والوحي والنبوة ولا في مفهوم القرآن، إذ ليس هناك (إسلام واحد)، وكذلك لا حاجة للالتزام بطقوس مفروضة، ولا لاحترام المحرمات، والمسلم في عرف الشرفي هو من انتمى لهذه الهوية التاريخية، والقصد قطع الجذور -كما يقول الشرفي- مع:"الوثوقيات كلها مهما اتسمت بسمات العلم أو غيره"، وواضح كما يذكر الطالبي أن في ذلك استدراج ذكي وخفي للمسلمين للانسلاخ عن الإسلام إيمانًا وعملاً.

وقد نظَّر الشرفي لهذه الفكرة في مشروع فكري بعنوان (الإسلام واحدًا ومتعددًا) شاركه فيه جمع من تلاميذه وتلميذاته كما سيأتي.

التنظير إلى أن محمدًا رجل صادق فحسب، تخميرته وحيًا وقرآنًا:

فمحمد صلى الله عليه وسلم في نظر الشرفي رجل عاش في عصر تغلِب عليه الذهنية السحريَّة من ناحية، والذهنية الميثية (الأسطورية) من ناحية أخرى، فهو وليد هذين الذهنيتين: السحر والميثية، وقد تخمرت في ذهنه هذه العوامل وتفاعلت مع ما أخذه عن أهل الكتاب ومع ما أخذه عن الموحدين (الأحناف) وهكذا "وصل بها إلى اليقين بأن الله اصطفاه لتبليغ رسالته" وإن كان نبيًا على غرار أنبياء بني إسرائيل"كما يسلم بذلك الشرفي، ويقول:"ولقد كانت المعلومات التي تلقاها محمد ممن حوله، واطلع عليها في أسفاره وعن طريق الأحناف وأهل الكتاب، مما كان يبلغ إلى مسامع معاصريه من دون أن يولوه أدنى أهمية لأنه خارج عن آفاقهم الذهنية ومشاغلهم، ومن نتائج تأمله الطويل عندما كان ينقطع عن الناس ويتحنث في غار حراء. كان كل ذلك المادة التي تخمرت في ذهنه، ووصل بها إلى اليقين إلى أن الله اصطفاه لتبليغ رسالته إلى قومه أولاً وإلى الناس كافة من خلالهم".

ويضيف:"وبما أن محمدًا كان يعيش في عالم تغلب عليه القداسة أو الصبغة السحرية حسب المفهوم الفيبري مثلما كان الشأن بالنسبة إلى البشرية قاطبة حتى وقت قريب نسبيًا، أي حتى القرن السابع عشر الميلادي. وأن الذهنية الميثية التي من أبرز خصائصها الحدس والتمثُل، كانت مسيطرة على طرق التفكير آنذاك لدى جميع الشعوب وفي كل الثقافات، فلن نستغرب أن نجد آثار هاتين الخاصيتين فيما يبلغه إلى قومه وإلى المسلمين".

التنظير للوحي كحالة سيكيولوجية لا شعورية برز فيها ما تخمَّر في دماغ محمد:

يكتفي الشرفي بالتصريح بصدق النبي صلى الله عليه وسلم وهو ما يوافقه فيه كل الباحثين من المسيحيين والمستشرقين المكذبين بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم والذين وصفوه بالصدق، وبأنه عن حسن نية كان يحسب نفسه يبلغ رسالة عن ربه، يقول الشرفي:"فالوحي إذن هو مصدر علم النبي : أي تلك الحالة الاستثنائية التي يغيب فيها الوعي، وتتعطل الملكات المكتسبة ليبرز المخزون المدفون في أعماق اللاوعي، بقوة لا يقدر النبي على دفعها ولا تتحكم فيها إرادته على نحو متميز ذلك التمثل المخصوص لما تمليه عليه الإرادة...إلا أنهما تلتقيان في أمر أساسي هو صدق محمد ووثوقه من أنه لا يعبر عن آرائه الذاتية، يبلغ عن الله".

التنظير لعدم بلوغ القرآن إلينا:

يذهب الشرفي إلى أن الخطاب الشفوي للقرآن لم يصل إلينا ولا نعرف منه شيئًا، ولا عنه، فالقرآن الذي نقرأه اليوم ليس بالقرآن الشفوي الذي صدر عن محمد، لأن محمدًا لم يدون هذا الخطاب، ولم يأمر بتدوينه، يقول الشرفي:"فلفظ القرآن لا يصح أن يطلق حقيقة إلا على الرسالة الشفوية التي بلغها الرسول إلى الجماعة التي عاصرته، أما ما جمُع بعد وفاته في ترتيب مخصوص ودوِّن (بين دفتين) فمن المعروف أن الصحابة أنفسهم لم يكونوا متفقين في البداية حول مشروعية هذا الجمع الذي لم يقم به النبي ولم يأمر به".

التنظير للقرآن الذي بلغنا كمدونة دونت في عهد عثمان بدوافع سياسية:

يرى الشرفي أن القرآن الذي تخمر في دماغ محمد صلى الله عليه وسلم ظاهرة اجتماعية بدأت شفوية وبعد تردد واختلاف تم توحيد الراية في (مصحف) بقرار سياسي، وما نسميه قرآنًا هو مدونة اشترك فيها محمد وأصحابه، يقول الشرفي:" تردد الصحابة حتى في الاسم الذي سيطلقونه على هذه الظاهرة قبل أن يستقر الأمر على نعتها بالمصحف"، ويقول:"من الملفت للنظر أن علماء المسلمين أنفسهم لم يستنكفوا في الماضي عن تسجيل ورود الوحي على لسان عمر وعلى لسان غيره من الصحابة".

وهذا المنتوج الأول الخام، له علل عديدة فنحن لا نعرف كيف نقرأه ولا كيف نفهمه، يقول الشرفي:"وافتقدنا كذلك النبرة التي استعملت فيه والدالة على الرضا والغضب، على النصح أو التنبيه أو التقريع...الخ مما لا تدل عليه الألفاظ وحدها".

ويعقب الطالبي على الكلام السابق فيقول:"وينجرّ عن هذا المنطق الغريب أننا نستطيع قراءة وفهم كل كتاب مهما كان نوعه والعهد الذي ألف فيه ولو كان مسرحية وهذا النوع الأدبي الأكثر احتياجًا للنبرات وقسمات الوجه ما سوى القرآن، نستطيع قراءة وفهم التوراة والأناجيل ولا نستطيع فهم القرآن كما قرأه وفهمه من سمع نبرات النبي وشاهد قسمات وجهه، لافتقادنا النبرات وقسمات الوجه".

التنظير إلى أن الدين مأسسة:

يلبس الشرفي في مفهوم الدين فيتحدث عن مأسسة الدين، بغلبة تأويل واحد أسس المأسسة التي اتخذها المسلمون دينًا، يقول الشرفي:"إن الإسلام لم يشذ عن سائر الأديان والمعتقدات من حيث خضوع الرسالة التي انبنى عليها لمقتضيات التنظيم والمأسسة".

وعبر هذه المأسسة التي تجري عن طريق تطبيق القيم والمبادئ القرآنية يحدث النقص أو الزيادة في المبادئ القرآنية، يقول الشرفي:"وفي هذا الانتقال لا مناص من فقدان المبادئ لنصيب قل أو كثر من طاقتها. ومن اكتسابها خصوصيات يمليها الواقع بكل مميزاته وتشعباته وتناقضاته".

وهذه المأسسة هي ما نحياه اليوم بوصفها دينًا في حين أنها لا تعدو التأويل الأنسب ذهنيًا واجتماعيًا وتاريخيًا واقتصاديًا.

وهكذا فيمكن التخلص من هذه المأسسة، إما كليًا وهو الأفضل، أو جزئيًا بإدخال التعديلات الضرورية للتصالح مع العصر والحداثة.

مع ملاحظة أن النقص والزيادة اللذين يقعان أثناء عملية المأسسة لم يقعا فقط في العصور اللاحقة للعصر النبوي بل تطبيق النبي نفسه يدخل ضمن المأسسة، كما ستتولى بيانه إحدى تلميذات الشرفي.

التنظير إلى الانسلاخ من طقوسية العبادات:

من ذلك مثلاً ما يقرره الشرفي من عدم الاضطرار لتأدية الصلاة على النحو الذي يفعله النبي صلى الله عليه وسلم باعتباره غير مفروض من الله تعالى، وإنما هو من اختراع النبي صلى الله عليه وسلم، وقد اخترعه لظروف حياته الخاصة، فيقول:" المهم أن النبي كان يؤدي صلاته على نحو معين فكان المسلمون يقتدون به، إلا أن ذلك لا يعني أن المسلمون مضطرون في كل الأماكن والأزمنة والظروف الالتزام بذلك النحو، على فرض أنه كان فعلاً موحدًا ولم يطرأ عليه أي تغيير أثناء فترة الدعوة" والشرفي هنا لا يشير لاختلافات في سنن الصلاة وتفاصيلها الداخلية بل في شروطها وأركانها فيضيف معللاً كلامه السابق عن عدم الإلزام بالصلاة وفقًا للهدي النبوي بقوله:"وإلا كان الذين يعيشون في مجتمعات صناعية غير معنيين برسالة محمد، حيث تفرض مقتضيات الآلة أنساقًا في الحياة والعمل، لا صلة لها بأنساق الحياة والعمل في المجتمعات الرعوية والزراعية والتجارية، وبصفة أعم كل من بعدت أنماط حياتهم المعقدة عن بساطة الحياة التقليدية".

وقد نسب الطالبي مقولات الشرفي للمستشرقين، والنصارى، في افتراءاته على القرآن والنبي وتعددية الإسلام، واعتبرها الطالبي سفسطة استشراقية ليس فيها فضل ابتكار من الشرفي، والذي لا يخجل من نقله عن المستشرقين وتتميمه لمشروعهم التشكيكي والتقويضي للإسلام، فقد دعا الشرفي صراحة لتضافر الجهود مع الاستشراق:"في بحث تاريخي متضامن حقيقة".

هذا هو ملخص أصول المدرسة الانسلاخسلامية والنقد الموجه من الطالبي الأستاذ([4]) لتلميذه الشرفي الآبق من الحدود التي خطَّها أستاذه للحداثة، والتي انساق فيها التلميذ مع الحداثة مساقاتها المتوقعة، ومن رغب بالاستزادة فليراجع كتاب الطالبي المذكور. والواقع أن الطالبي لم يفتر على الشرفي ولم ينسب إليه ما لم يقله، ولم يعب عليه انسلاخه من الإسلام، بل عاب نفاقه وتدليسه، كما اعتبر انسلاخه من الإسلام حقًا من حقوقه، ولن نعدُ الحقيقة إن قلنا:

من أستاذه تلقى التلميذ المبادئ الأولى للانحراف الفكري، فقد أشعل الطالبي الشرارة الأولى لهذه المدرسة ولم يستطع أن يسيطر عليها حين اندلعت نيرانها لتلتهم كل الثوابت والمسلمات، فعاد ناقدًا ومعاتبًا لا غير.

ذوات المغزل في حرم الشرفي

أسس عبد المجيد الشرفي وبلا أدنى شك القاعدة المعرفية للنسوية الحداثية العلمانية في تونس، وقراءة الشرفي للإسلام هي ما لقنها تلميذاته فكرة فكرة وعلمهن كيف يطبقنها خطوة بخطوة، بل أشرك بعض تلميذاته في مشروعاته، باعتباره قائد كتيبة حداثية يفخر بكونه أميرها، وتفخر تلميذاته أنهن درسن عليه، حتى بعد مضي عشرين عامًا على تخرج إحداهن، عليه كما في تصريحات ألفة يوسف المتكررة عن تأثيره فيها واستحضارها فضله وأثره عليها في مسارها الفكري في أمثلة ومواقف مختلفة.

ولم يزد الشرفي الأستاذ على أن منح كلاً من تلميذاته مغزلاً ونولاً يسحبن خيوطه من التراث لينسجن على المنوال الشرفي، ذات الأفكار، ذات المقولات، ذات الفوقية الوثوقية بالمنهجية الشرفية...بشرط تأدية التلميذات مهمة التوسع فيما أوجزه الأستاذ، مع منح التلميذات حق اختيار التفصيلات والزيادات التي لا تخرج بهن عن حدود الحرم الفكري الشرفي ولا تمس بأصول صنعته الفكرية.

فشاركت آمال قرامي أستاذها سلسلة (الإسلام واحدًا ومتعددًا) بتأليفها كتابًا بعنوان (الإسلام الآسيوي).

وقبل ذلك أشرف الشرفي على أطروحة قرامي الجندرية حول الاختلاف الثقافة العربية الإسلامية، والتي أكدت فيها قرامي مقولات أستاذها حول النقل عن اليهود والنصارى بل والأمم الغارقة في الوثنية والخرافة، وقد صرَّحت آمال قرامي في أطروحتها بإفادتها من "الدراسات الثقافية التي تلح على بيان النماذج الكونية، واشتراك الثقافات القديمة في عدة مسائل"([5]).

كما تعقبت قرامي خصائص الذكورة والأنوثة في تراث الثقافة العربية الإسلامية الذي لجأت إليه لأمرين([6]):

1- بيانه للمرجعية القيمية والمنظومة الاجتماعية والدينية.

2- لكونه يعد مرجعية للمفكرين المحافظين المنافحين عن نظام إسلامي أبوي.

أما الغاية من دراسة التراث لدى قرامي فلا تتمثل في "أسلمة الجموع وطمأنتهم"([7])، بل في "زحزحة المفاهيم، ونقد الثوابت، وطرح الأسئلة"([8]).

وتلقي قرامي الضوء على الأحكام الإسلامية التي تعتبرها تمييزًا جنوسيًا وتلفت النظر لامتداداتها في ثقافات أخرى، في صورة يمكن أن نصفها بــ(التناص الثقافي)؛ فتربط الكاتبة أحكام الإسلام في منزلة اليمين والشمال بالثقافات الأخرى، وبالتمييز بين الذكر والأنثى([9])، وتختم بقولها:"وهذا يعني أن اليمين مقدس وهو رمز الخير والطهر، في مقابل الشمال الذي يعد نجسًا، وهو محط القوى الدنيوية والشريرة، وأولها الشيطان؛ إذ قيل أن مسكنه بالشمال، وهو (يأكل بشماله ويشرب بشماله)([10]). والواقع أن ثقافات عديدة تقسم الفضاء إلى يمين وشمال، والعالم إلى خير وشر وطهارة ونجاسة، وتنسب الفضائل والنجاح والكسب لليمين فيكون ذكوريًا، في مقابل الشمال الأنثوي الذي يتسم بالضعف، ويوحي بالخيبات"([11]).

كما تشكل العقيقة –من منظور آمال قرامي- استمرارًا لثقافة تعقد بين الولد والعشيرة من جهة والمقدس من جهة أخرى، وهي طقس فداء وتضحية سابق على الإسلام، طقسٌ يتمثل فيه التمييز الجنوسي، وقد تمت أسلمته([12]): "إننا نفترض أن تأثر العرب باليهود كان واضحًا في هذا المجال. فعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(إن اليهود تعق عن الغلام ولا تعق عن الجارية فعقوا عن الغلام شاتين وعن الجارية شاة)([13]). وهو أمر يثبت وجود أصداء ثقافات قبل إسلامية بدت ناطقة من خلال الممارسات الطقسية"([14]).

وتعتبر آمال قرامي حلق شعر المولود والتصدق بوزنه ذهبًا طقسًا سحريًا دينيًا، فتقول:"تتزامن مع طقس العقيقة طقوس سحرية دينية أخرى منها عادة حلق الشعر والتصدق بزنة الشعر فضة أو ذهباً على المساكين، ودفنه في الأرض حتى لا يتم استعماله في إعداد الوصفات السحرية. وقد مثل طقس حلق الشعر لدى عرب الجزيرة حسب شلحود (chlhod)([15]) شكلاً من أشكال التقرب من الآلهة، عبر فداء أو قربان غير دموي فهو بذلك طقس أضحية، في حين أن فرايزر ( ([16])(frazerرأى أنه طقس تطهير من قذر الرحم، إذ كان مما ترسخ في أذهان المجتمع البدائي أن الشر يربض تحت الشعر"([17]).

وتتوالى الأمثلة على هذا المنحى من مثل ربط الكاتبة بين النهي النبوي عن لبس الأحمر للرجال والثقافة الاجتماعية السائدة قبل الإسلام([18])، وتقريرها أن التفريق في الديَّة بين الذكر والأنثى موجود لدى مجتمعات بدائية([19])، وتفسيرها لتكفين المرأة بعدة أثواب برغبة المجتمع في صون الأم التي اعتبرت رأس مال بشري هام، وضرورة الحفاظ على الرحم المنجب لدى من اعتقدوا بالبعث([20]).

وحتى تعدد الزوجات فُسر تفسيرًا اجتماعيًا وضعيًا فترى آمال قرامي أنه يمكن اعتبار التعدد من باب شغل الزوجة بالضرائر لئلا تنشغل بشؤون الرجال مستشهدة بما ضمته كتب السيرة من أحداث وقعت في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمهات المؤمنين رضي الله عنهن([21])، ولا تسوق المؤلفة أمثلتها لغير ما غرض([22]) فهذه الأمثلة –برأيها-:"تجعلنا نتسائل عن أصل هذه الطقوس، وعن حدود المثاقفة"([23]).

كما رددت نائلة السليني أفكار الشرفي حول القرآن والتشكيك في تدوينه في كتابها (تاريخية التفسير القرآني) ذاكرة في مطلع كتابها أنه ستنقل عن أساطين المستشرقين بلا أدنى تحفظ، فتقول:" أما الدراسات الأجنبية فقد حاولَت أن تُنزّل مشاغل التفسير ضمن حتمية تطور المجتمعات، وخرجت بالدراسات الإسلامية من سلطة المسلَّمة القائلة بأن الأحاديث والأحكام في عصر الرسول هي أصلٌ لما سيوجد من تشريع، إلى إدراجها ضمن رؤية تعتبر أن التشريع هو الذي أوجد الأحاديث والأحكام التي يُظَن أنها مستمدة من النصوص النقلية والأصول التشريعية، ويعتبر الأستاذ جولد زيهر أول من فتح باب البحث في عمل المفسرين من هذه الوجهة"([24]).

ونهجت نائلة المنهج الاستشراقي نفسه الذي نهجه أستاذها والذي يقوم على بث الشكوك حول الوقائع المحتفة بتاريخ القرآن الكريم وتدوينه، واستغلال الاختلافات المنسوبة للمصاحف الفردية للصحابة، وسوْق الروايات المتعددة حول اختلاف القراءات للتشكيك في صحة النص القرآني، وتجاهُل إجماع الصحابة على صحة النسخة التي أقرَّها عثمان بن عفان رضي الله عنه، وتجاهُل ما قيل في أسانيد روايات الاختلاف، والإعراض عن دراسة تلك الأسانيد دراسة نقدية، وفي هذا تقول نائلة: " نحن نوظف هذه الأخبار لنبيِّن أن القراءة الرسمية التي أخرج فيها المصحف الإمام، إنما هي واحدة من جملة قراءات أنكرها الخلفاء الراشدون، وشدد عثمان في محاصرتها، ومن بعده مروان بن الحكم، وهي قضية تحيل على النظر في تاريخ المصحف الإمام"([25])، وقد"نتج من هذه الظروف التي حفَّت بنشأة النص القرآني أن غابت المعطيات التاريخية التي تسعف ببيان ولو تقريبي لعلاقة تاريخية بين الآيات"([26]).

وتتهم نائلة علماء الإسلام باختلاق ما يضفي الشرعية على مصحف عثمان، بقولها:"حاول العلماء أن يخرجوا من طعون هؤلاء على المصحف الإمام وذلك بإنشاء أدبيات تحكي قصة الوحي المنزل على محمد النبي، كانت في بدايتها إحالات نصيَّة مقتضبة إن لم نقل موهِمة برواية قصة للوحي"([27]).

وتستخدم نائلة ما درج المستشرقون على استخدامه من مصادر مُلئت بالروايات الضعيفة والمنقطعة ليثبتوا من خلالها وجهة نظرهم حول بشرية القرآن، ومن تلك المصادر كتاب المصاحف لابن أبي داود([28])، رغم ما عُرف عن ابن داود من جمعه لكل ما بلغه حول جمع القرآن دون تمحيص أو تثبت([29])، وتمارس نائلة السليني الانتقائية ذاتها وتتجاهل الروايات الصحيحة وتنقل عن المصادر التي ينقل عنها المستشرقون ووفقاً لمنهجيتهم، وتنتهي بالقول:" ونحن لا نرجح تلك الأخبار التي تُرجِح أن عثمان استطاع فعلاً أن يحرق كل المصاحف، لوجود أخبار أخرى تبيِّن رفض أهل الكوفة النسخة التي بعث بها إليهم، وأخبار أخرى تؤكد توارث مصاحف للصحابة تكتم عليها أحفادهم"([30]).

وكما يأخذ معظم المستشرقين وبخاصة القدامى منهم بما يسمى(النزعة التأثيرية) التي يردون بواسطتها كل عناصر الإسلام بعد تجزئتها إلى اليهودية والنصرانية، مما يشير لتسرب عناصر يهودية ونصرانية إلى القرآن، ويدل على اقتباس القرآن منهما، ومن ثم نفي ربانية المصدر القرآني، فتردد صدى هذه النزعة في مختلف مباحث كتاب نائلة السليني ومنها الفصل المخصص للمناكح، والذي ترد فيه نائلة مشروعية تعدد الزوجات في الإسلام لأصل توراتي، وتضيف أن " هذه التشريعات التي حوتها التوارة ليست بغريبة عن العرب في جاهليتهم، وذلك بحكم الجوار الذي يجمعهم مع اليهود والنصارى، لا سيما وأن قبائل عربية كانت نصرانية المعتقد مثل قبائل نجران وتغلب، وكان لهذه المجاورة تأثير في الممارسة العربية في المناكح، لأن منطق الأعراف بين الشعوب يقوم على استعارة المناسب من الأحكام الذي يحقق الانسجام الاجتماعي"([31]).

ولا تقف المؤلفة عند هذه الدعوى بل تمضي في إثبات نزعتها التأثيرية في استعارة القرآن من التوارة في الآيات المتعلقة بالجماع، والعدة، وغيرها([32]).

أما أشهر تلميذات الشرفي فألفة يوسف والتي لا ترى بأسًا في اللواط والزنا ، فالمقصود من تحريم الزنا برأيها خشية اختلاط الأنساب ومن ثم خشية إتيان المحارم فحسب، وبالتالي يجب أن يوضع الزنا في إطار القانون الأصلي أي (تحريم إتيان المحارم)، وتتناقض ألفة يوسف مع نفسها حين تصرح في موضع آخر من كتاباتها بأنها لا تؤمن بوجود حقيقة خارجة عن اللغة، واللغة هي التي تحدد المحارم، وتذكر في محاضرتها في مركز محاورات بأنها استفادت منهجيتها النقدية من أستاذها عبد المجيد الشرفي، وأنها لم تعد كما كانت قبلاً تحزن مثلاً لأن أخاها أفطر في رمضان بغير عذر، فالأمر حرية شخصية، وتبرر ألفة يوسف رأيها بتكرار أفكار الأستاذ إذ أن النبي نفسه لم يشدد في كتابة القرآن وفي استبدال جملة بجملة أثناء كتابة القرآن بحضوره ، بل صرحت ألفة يوسف بعد عودتها من الحج بأنها ارتدت الحجاب لا عن قناعة بل بوصفه طقسًا.

وحول المأسسة التي تشربتها ألفة يوسف تقول:"الدين يقوم على مؤسسات جماعية تدعي تقديم الجواب الشافي للناس باعتبارهم جماعة منتمية إلى ذلك الدين، أما الإيمان فمغامرة فردية لا تدعي تقديم جواب جماعي أو نهائي، إنه بحثٌ لا يَنِي عن اطمئنان فردي تختلف سبل بلوغه من ذات إلى أخرى، ومن هذا المنظور يمكن اعتبار الميراث الفقهي سنيًا كان أم شيعيًا- ميراثًا دينيًا، ويقابله الميراث الصوفي الذي نراه ميراثًا إيمانيًا مندرجًا ضمن تجربة لا يمكن للقول نقلها نقلاً أمينًا، بل لعل وجودها رهين عجز القول عن وصفها، ألا تضيق العبارة كلما اتسعت الرؤيا ؟"([33]). وتنحاز ألفة يوسف بموقفها من الدين وبإقرارها بخياراتها المنهجية في كتاباتها وبعدم وجود حقيقة نهائية، للميراث الصوفي ولصف النسبية المطلقة بل العدمية، وبمقابل رفضها لتفسيرات الفقهاء الذكورية ونفي الحقائق المطلقة تُسلِّم تسليمًا لا يخالطه اعتراض أو شك أو دعوة لمراجعة لمكتسبات حقوق الإنسان، وهنا ينهزم التفكير النسبي وتتكشف حقيقة التفكير الإطلاقي العلماني، إن ألفة يوسف بموقفها هذا تقابل ما تصفه بالأصولية الدينية بأصولية علمانية ترفض مجرد التشكيك بمطلقاتها.

أما رجاء بن سلامة أكثر التلميذات راديكالية والتي كانت تنشر مقالاتها في موقع إيلاف وتعترف بعنف خطابها وتراه ضرورة للمرحلة باعتبارها تواجه خصومًا بدائيين يقاومون أبسط مبادئ الحرية والمساواة، وهم (المدافعون عن الشريعة)([34]). فتدعو إلى إلغاء الشريعة الإسلامية باسم الحداثة الإسلامية مستدعية مواقف الفرق الباطنية في التاريخ الإسلامي كالإسماعيلية والبابية والبهائية والتي تعبر عن تعددية الإسلام تأسيسًا على أن الإسلام ليس واحدًا كما يرى الشرفي، فتقول:"إن هذه الأفكار حول الحداثة كانت موجودة في وعي بعض الرواد والحركات الريادية التي سرعان ما هُمـّشت ونُظِّمت عملية نسيانها وتهميشها"([35])، وكما ذكَرت رجاء بن سلامة نسخ الإسماعيلية للشريعة، ذكرت نسخ البابية والبهائية للشريعة مع بيان الفارق بين صنيعهما وصنيع الإسماعيلية، فقالت:"لكن نسخ الشريعة باعتباره (حركة تحديثية) نجده في البابية ثم البهائية"([36]). وتذكر رجاء بن سلامة مبرراتها لاستدعاء البابية والبهائية باعتبارها فرقًا مهمشة فتقول:"ما يجعلني أعتبر هذه الحركة تحديثية رغم منطلقها الإمامي-الشيعي-، ليس فقط القطيعة مع الأحكام المقررة في الماضي، بل معطيان آخران هامان: أولهما أن التبرير المقدم لنسخ الشريعة له علاقة بالعصر الحديث لا بالجدل اللاهوتي حول طبيعة الجنة، فهو نابع من الشعور بضرورة مواكبة تطورات العصر، وظهور فكرة المساواة تبعًا لذلك بين جميع الناس وبين النساء والرجال"([37]).

أما تلميذة الشرفي زهية جويرو التي تخصصت في مأسسة الإسلام، فألفت فيها وكتبت حولها، فهي أقل التلميذات خروجًا عن النص الشرفي، فتراها تجتره وتعيده وتكرره بحذافيره، وهي الشارحة الأولى لمحور المأسسة في الفكر الانسلاخسلامي والذي تتكامل محاوره جميعًا لتؤدي إلى النتيجة ذاتها، وقد شار مقدم كتابها إلى كونها مقلدة فيما ستذكره في كتابها (القصاص في النصوص المقدسة: قراءة تاريخية):"ليس من البدعة أن يؤكد هذا المبحث أن النص القرآني إشكالي حتى في (المحكم) منه، موصول بالنصوص المقدسة السابقة...وهو علاوة على ذلك مشدود إلى الواقع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي الذي نشأ فيه غير متعالٍ عليه، فيكون بذلك مستحضرًا لنصوص دينية سابقة، متأثرًا بمختلف العوامل التي احتضنت ميلاده في بداية القرن السابع الميلادي، ولما كانت جميع هذه العناصر مؤثرة في هذا النص كان ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار أثناء قراءة مختلف مقاطعه"([38]).

وتكرر زهية جويرو التي شاركت أستاذها مشروعه الفكري بالتأليف ضمن سلسلة (الإسلام واحدًا ومتعددًا) بكتاب بعنوان (الإسلام الشعبي) تكرر هي أيضًا مقولات أستاذها حول الأثر الثقافي في التشريع الإسلامي كما فعلت زميلتاها آمال قرامي ونائلة السليني فتصرح زهية بأن آيات القرآن المتعلقة بتنظيم الحياة الاجتماعية والأحكام الجنائية إنما هي ظاهرة اجتماعية وتقول:"لقد بات من الثابت أن القانون بمختلف عناصره ومرجعياته، بما في ذلك القانون الصادر عن مرجعية متعالية كالقانون الديني، ظاهرة اجتماعية، ومعنى ذلك أنه أحد الأركان والعناصر التي تتكون منها التركيبة الاجتماعية والمدنية، فهو من إفراز المجتمع ومن نتائج الوجود الطبيعي للإنسان في الاجتماع".

وتضيف زهية مشككة في وحدة المصدر التشريعي الذي انبثقت عنه الأحكام القرآنية المتشابهة مع مافي التوراة والإنجيل وما لدى الثقافات الأخرى، فتقول:"انطلاقًا من هذه المبادئ أمكننا أن نتبين أن تشريعات قتل النفس بالنفس، وإهدار دم القاتل والثأر ورد الاعتداء بمثله، إنما هي تشريعات تخاطب علاقات تاريخية قبلية انبنت العلاقات في إطارها على أساس البُنى القبليَّة وما اقتضاه من تكايل الدماء، وهذا ما يفسر في نظرنا تشابه هذه الأحكام وانتشارها لدى شعوب جمعت بينها عوامل الجغرافيا والنظام الاجتماعي المتشابه، بما يبرز نسبية التبرير الإيماني الذي يُرجع هذا التشابه في الأحكام إلى وحدة المصدر التشريعي"([39]).

وكما يرى الشرفي بأن المأسسة تشكلت حين تم نقل القيم والمبادئ القرآنية إلى التطبيق، تقول زهية تحت عنوان (القصاص من خلال تجربة محمد) :"يلاحظ القارئ دون أدنى شك أن هذه المدونة التي أفرزتها تجربة محمد أكثر تفصيلاً وتعقيدًا من المدونة القرآنية. فالقرآن كما لاحظنا قرر مبادئ عامة لم تخل من بعض التفاصيل لا محالة، ورغب في قيم عليا قدمها على أحكام القصاص، أما الأقوال التي تعرضت لها تجربة محمد فإنها تعرضت إلى القضية من جوانب عديدة ومفصلة"([40]).

وختمت زهية هذا الفصل من كتابها بالقول:"إبرز ما يستخلص من تجربة محمد مايلي:

بين النص القرآني وتجربة الرسول تماثل وتقاطع وبينهما مسافة من الاختلافات تصل أحيانًا إلى حد التناقض وهو وضع لا يفسر باجتهاد الرسول فقط، ولا بمقولة النسخ بل يفسر في نظرنا أساسًا ببشرية هذه التجربة وهي سمة أكد عليها النص القرآني وصاحبها معًا وتناستها أجيال الفقهاء فأضفوا على تجربة الرسول قداسة تعالت بفعلها إلى مستوى من التقديس يضاهي النص القرآني. إن الإقرار ببشرية هذه التجربة كان بإمكانه أن يؤول إلى الشك في قيمتها مصدرًا من مصادر التشريع الإسلامي"([41]).

وتغلق زهية استخلاصاتها حول السنة النبوية وموقعها من التشريع الإسلامي منتقدة اعتبارها مصدرًا للتشريع، ومنتقدة التعامل مع النبي صلى الله عليه وسلم بوصفه معصومًا من الخطأ، ومستشهدة بمقولة المفكر العلماني محمد أركون:"إن السنة التي خلع عليها التعالي والتقديس بهذا الشكل تستطيع عندئذ أن تكون رديفًا ومكملاً للقرآن لكي تمد وتوسع من عملية التعالي والتقديس وتعممها فتشمل كلية التاريخ البشري"([42]).

وانطلاقًا من فكرة المأسسة نفسها تقول زهية في مقالتها (نحو أصول فقه أكثر إنصافًا للمرأة):"يقتضي إنصاف النساء إذن إجراء مراجعة جذرية للمناهج والأدوات التي تم بها تأويل القرآن الكريم وللآليات التي استنبطت بواسطتها الأحكام منه حتى لا يستمر الفقهاء في خلط ماهو ديني قرآني بما هو بشري تأويلي، وفي التسوية بينهما لشرعنة السلطة التي اكتسبوها عبر التاريخ بفضل احتكار مشروعية القرآن، واستنباط الأحكام الشرعية منه"([43]).

وتكشف زهية عن قراءتها النسوية الجديدة المنصفة للمرأة والتي تقتضي عدم فرضية الحجاب على سائر المسلمات، فتقول في المقالة نفسها:" وما المانع أن يكون نفي اعتبار نساء الرسول كغيرهن من النساء شاملاً لكل ما جاء بشأنهن من أحكام بما في ذلك الحجاب مثلاً؟ إن الكثير من آيات الأحكام مخصص بمخاطب معين أو بظرف أو بشرط، ولكن كثيرًا ما تم (التلاعب) بهذه المخصصات ففعلت في حالات وأبطل مفعولها في حالات أخرى، وكان الفاعل في كل الحالات هو إكراهات التاريخ ومصالح المستأثرين بسلطة التأويل والتشريع".

ولذا أخذت زهية على عاتقها كشف خطايا الفقهاء وفضح تلاعبهم في كتابها الجديد (الوأد الجديد: قراءة في فتاوى النساء) وحول المبادئ العلمانية الشرفية ومعزوفة المأسسة بخاصة والمنظومة الانسلاخسلامية بعامة لا زالت زهية تحمل القيثارة نفسها وتكرر ألحان الشرفي بلا كلل أو ملل، كما في محاضرتها الأخيرة في تونس حول دور الوسائط في تطوير مؤسسة الفتوى، واللافت أن الأستاذة زهية قدمت بوصفها ملحقة بالمملكة العربية السعودية([44]).

النسوية العلمانية الشرفية والاختراق الثقافي

يذكر الكاتب التونسي أنس الشابي كيف تمكن الشرفي من الاختراق الثقافي للأجهزة المؤثرة في تونس عبر دسِّ تلاميذه ومريديه في تلك الأجهزة، وتحت عنوان: (منتحلو التفقُّه) كتب الشابي:" وقد مثل الارتباط السري للشرفي بسلطة العهد البائد وعلاقاته الوطيدة بقيادات التجمع غطاء سياسيًّا له ولتلامذته الذين تمكن من دسِّهم في ثنايا الإدارة ووسائل الإعلام والأجهزة الثقافيّة بمساعدة عبد الحميد سلامة تلميذه ومستشار الرئيس السابق في الشأن الثقافي والتعليمي والرياضي، بجانب آخرين كصالح البكاري المستشار والوزير فيما بعد وعلي الشاوش الأمين العام للتجمع ووزير الداخلية وغيرهم، وقد تمكنت من معاينة الأساليب التي دأب جماعة قسم الحضارة في منوبة على اللجوء إليها، من ذلك حث السلطة على الاحتفاء بألفة يوسف احتفاء لا نظير له خصوصًا بعد نشر حيرتها على العموم وهي الحيرة التي دعت فيها إلى تعدّد الأزواج الذكور للأنثى الواحدة ونكاح المتعة والسحاق واللواط والإتيان من الدبر... حيث فُـتِّحَـت لها أبواب الصحافة على مصاريعها إذ لا تخلو جريدة أو مجلة أيامها من حديث لها أو خبر عنها وقد جَمَعْتُ لها كمًّا مهولاً من الأوراق تيقنت لوفرته أن السلطة البائدة حرّضت المذكورة على إشاعة ما ورد على لسانها من إساءات بالغة طالت الأمة وذاكرتها ورموزها، وممّا يثبت ذلك إلقاؤها محاضرة أمام زوجة الرئيس السابق (التي تهافت على التقرب منها العاري واللابس والحافي والمنتعل ووصل الأمر إلى حدود كتابة الكتب للإشادة بها) وهو الأمر الذي يعني في البروتوكول الرسمي تقديمها لرئيس الدولة في إشارة لإمكانية تعيينها في أحد المناصب المهمّة مستقبلاً، تلا ذلك وضعها على رأس دار الكتب الوطنيّة كما أشاعت أيامها أنها سَتُوَزَّرُ في الثقافة، وضمن نفس الإطار نشرت آمال القرامي أطروحتها التي أعدّتها تحت إشراف الشرفي ودعت صراحة إلى ما تدعو إليه جمعيات الشواذ والسحاقيّات من التشريع لتغيير الجنس"([45]).

ويشير الشابي لبقية التلامذة المخلصين للشرفي فيقول:" إن كانت ألفة يوسف أكثر الجماعة نجوميّة بحكم التركيز الإعلامي عليها، فإن المنضوين تحت عباءة الشرفي ساهموا كل حسب ما أوتي في الترويج لِما ذكر، من ذلك أن عبد الرزاق الحمامي وزهية جويرو ألفا كتابا سمّياه "المرأة في الحركة الإصلاحيّة من الطاهر الحدّاد إلى زين العابدين بن علي" صدر عن وزارة شؤون المرأة والأسرة والكريديف، والغريب حقا أن زهية اليوم أصبحت تصف الرئيس السابق بالرئيس المخلوع بعد أن كانت تسبِّح بحمده، كما أنها تجد في نفسها الجرأة على التنظير لما تسميه اليوم بالثورة، لو أردنا تسويد الأوراق لما انتهى بنا الأمر لكننا نحيل القارئ إلى قائمة الذين أعدوا أطاريحهم لدى الشرفي حتى يتيقن من صحة مقالنا".

والحق أن تلميذات الشرفي ناشطات ثقافيًا وسياسيًا وبعضهن عضوات أحزاب يسارية علمانية كزهية جويرو عضو الجبهة اليسارية العلمانية التونسية والعضو المرشح في الانتخابات التونسية عن العالم العربي([46]).

ونحن نذهب إلى أبعد مما ذكره الشابي وإن بصيغة مختلفة فالاختراق النسوي من تلميذات الشرفي وصل إلى أقطار شتى، وسياسة التبريز والصعود بالنسويات العلمانيات الشرفيات للنجومية واضحة ولا تخفى على الباحث في الشأن الثقافي، ومن الطريف أن آمال قرامي مثلاً لا تفتأ تستضاف في قنوات فضائية خليجية ومراكز بحث خليجية للتحدث لا في شأن المرأة التونسية ولا العربية فحسب، بل للتحدث في شأن المرأة الخليجية كما في ورقة لها بعنوان (الحركات النسائية الخليجية من خلال ثنائية المشرق والمغرب) والمنشورة في إصدار شهري عن مركز المسبار تحت عنوان: (نساء الخليج واليمن جدل الحقوق والدين والإسلاموية)، كما أن بعض تلميذات الشرفي يعملن أستاذات زائرات في جامعات عربية، ويشرفن على الأطروحات العلمية في الدراسات العليا ويشاركن بفاعلية في الحياة الثقافية، ولا يبعد أن يؤثرن هن أيضًا في تلميذاتهن عفوًا أو عمدًا بتعليمهن أصول الصنعة الفكرية الشرفية وتوريثهن المغزل والنول الذي ورثنه عن أستاذهن.

ولا ننسى أن نختم بالإشارة إلى تقاطع اليسار العلماني مع ما يسمى بالنسوية الإسلامية (العلمانية المقنعة) كما في تقديم زهية جويرو للمساواة في الإسلام في وقة عمل بعنوان (القوامة والولاية في الفقه الأولي) قدمتها في مركز مساواة العالمي والذي تشرف عليه المنظرة النسوية للنسوية الإسلامية زينة أنور([47]).

وهذا التقاطع يشير كذلك لتجاوز أفكار الشرفي النسوية العلمانية للنسوية المسماة حديثًا بالإسلامية والتي تتساءل إحدى منظراتها عن أي إسلام نتحدث ؟ وما هي محدداته؟.

فالإسلام –بنظرها- مفهوم جدلي، مثله مثل مفهوم الديمقراطية والعدالة، وجميعها مفاهيم يمكن أن نشكك فيها، ويمكن أن يكون هناك أكثر من نسخة منها، فهي إذن مفاهيم سجالية([48]).وتتفق هذه الرؤية مع الرؤية الاستشراقية للإسلام، والرؤية العلمانية العربية، ممثلة فيما ذكرته آمال قرامي في مقدمة كتابها (الإسلام الآسيوي)، والواقع كما ذكرنا ضمن سلسلة (الإسلام واحداً ومتعدداً)، حيث طرحت قرامي التساؤل نفسه الذي نقلته عن أستاذها وبعض مفكري الشيعة، لكن قرامي حوَّلت تساؤل مفكري الشيعة من مقدمة طالبوا فيها بتعريف محدد للإسلام، إلى نتيجة نافية لإمكانية ذلك التحديد، متفقة في هذا مع أستاذها وشركائها في الرؤية العلمانية علي حرب([49]) ونصر حامد أبو زيد([50])،([51]).



([1]) انظر: المفكرون الجدد في الإسلام- لرشيد بن زين، ص201-203.

([2]) ليطمئن قلبي، ص43.

([3]) المرجع السابق.

([4]) راجع المرجع السابق، ص44-96.

([5]) الاختلاف في الثقافة العربية الإسلامية، ص20.

([6]) انظر: المرجع السابق، ص22.

([7]) اختراق النساء أسوار المعرفة الدينية، ورقة عمل قدمتها آمال قرامي ونشرت في كتاب (النسوية الإسلامية: الجهاد من أجل العدالة)، ص35.

([8]) المرجع السابق.

([9]) راجع: المرجع السابق، ص49.

([10]) تشير الكاتبة هنا إلى حديث نبوي نصُّه:(لا يأكل أحدكم بشماله ولا يشرب بشماله، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله)، وهو حديث رواه الإمام الترمذي في سننه، في باب (ما جاء في النهي عن الأكل والشرب بالشمال)، الحديث رقم:(1799)، ص426، وصححَّه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ج2/ ص299.

([11]) الاختلاف في الثقافة العربية الإسلامية، ص49-50.

([12]) انظر: المرجع نفسه، ص68.

([13]) رواه الإمام البيهقي في (السنن الكبرى)، في كتاب (الضحايا)، باب (ما يعق عن الغلام وما يعق عن الجارية)، الحديث رقم:

(19278)، ج9/ ص507، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير وزياداته، الحديث رقم: (1814)، ص261.

([14]) الاختلاف في الثقافة العربية الإسلامية، ص71.

([15]) اسمه الأول: جوزيف، عالم اجتماع، ولد في حلب عام (1917م)، درس مقومات علم اجتماع الأديان النبوية واللانبوية مفترضاً أن المجتمع هو الذي ينتج الظواهر الدينية ويستهلكها، وهي ليست فوق الدرس والتحليل والنقد، على غرار كل الظواهر الاجتماعية الأخرى، وهذا يعني برأيه وضع مرجعيات الأديان في عالم الناس ومجتمعاتهم لا في أي مكان آخر، توفي في باريس عام (1997م)، من مؤلفاته: (مدخل إلى علم اجتماع الإسلام: بُنى المقدس عند العرب).

([16]) اسمه الأول: جيمس، عالم إنثروبولوجيا اسكتلندي شهير ولد عام (1854م)، قدَّم دراسات في مجال السحر والدين، وضح فيها أن كثيراً من الأساطير الدينية والشعائر الدينية يرجع أصلها إلى أيام ظهور الزراعة في عصر ما قبل التاريخ، وأن التطور العقلي البشري مرَّ بثلاث مراحل: السحر، الدين، العلم، توفي عام (1941م)، من أبرز مؤلفاته: (الطوطمية)، و(الزواج بغير ذوي القربى).

([17]) الاختلاف في الثقافة العربية الإسلامية، ص72.

([18]) راجع: المرجع السابق، ص122-123.

([19]) راجع: المرجع السابق، ص596.

([20]) راجع: المرجع السابق، ص559.

([21]) راجع: المرجع السابق، ص602.

([22]) لمزيد من الأمثلة للرؤية النسوية حول تأثر الإسلام بالثقافات الأخرى، راجع: كتاب (الوجه العاري للمرأة العربية)-لنوال السعداوي، وكتاب (تاريخية التفسير القرآني)- لنائلة السليني الراضوي، والتي تصرح بهذه الرؤية وبانطلاقها منها منهجياً، ص32-33.

([23]) الاختلاف في الثقافة العربية الإسلامية، ص52.

([24]) المرجع السابق، ص30.

([25]) تاريخية التفسير القرآني، ص52.

([26]) المرجع السابق، ص53.

([27]) المرجع السابق، ص52.

([28]) عبد الله بن سليمان بن الأشعث السجستاني، الإمام العلامة الحافظ، شيخ بغداد، أبو بكر السجستاني صاحب التصانيف ولد عام (230ه) بسجستان، وهو ابن الإمام المعروف صاحب السنن أبو داود سليمان بن أشعث السجستاني، سافر به أبوه وهو صبي لطلب الحديث، حدث عنه خلق كثير منهم ابن حبان والحاكم والدارقطني، توفي عام (316ه)، من مصنفاته: (الناسخ والمنسوخ).

([29]) لم يلتزم ابن أبي داود في كتابه (المصاحف) شرط الصحة اعتماداً على ما تقرَّر لدى أهل الحديث من أن (من أسند لك فقد أحالك)، وقد اتهم ابن أبي داود بالكذب لكلمة قاله أبوه فيه، إذ قال: ( ابني عبد الله كذاب)، وكلمة مثيلة قالها فيه أحد الأئمة في زمانه، لكن الذهبي رحمه الله في كتابه (تذكرة الحفاظ) وفي كتابه (الميزان) أوَّل ما قيل في ابن أبي داود ودفع كذبه في الحديث، كما ذبَّ عنه محقق كتاب المصاحف في مقدمة الكتاب، راجع: كتاب المصاحف، تحقيق: محب الدين سبحان، ج1/ ص22-35.

([30]) تاريخية التفسير القرآني، ص52.

([31]) المرجع السابق، ص 67.

[32]([32]) راجع مثلاً: المرجع السابق، ص95-96، 129.

([33]) ناقصات عقل ودين، ص97.

([34]) انظر: بنيان الفحولة: أبحاث في المذكر والمؤنث-لرجاء بن سلامة، ص22.

([35]) بنيان الفحولة، ص173.

([36]) المرجع السابق.

([37]) المرجع السابق، ص174.

([38]) القصاص في النصوص المقدسة، ص5.

([39]) المرجع السابق، ص36-37.

([40]) المرجع السابق، ص93.

([41]) المرجع السابق، ص104.

([42]) المرجع السابق، ص106.

([44]) راجع رابط الندوة على موقع مؤمنون بلا حدود، على الشبكة: https://www.youtube.com/watch?v=9SHwFE-kJzY

([45]) منتحلو التفقّه، مقالة نشرت في موقع بوابتي على الرابط:

http://www.myportail.com/articles_recherche.php?page=23&t=5&mcc=%CA%E6%E4%D3&nom=&id=3897

([46]) راجع قائمة المرشحين على موقع تونس على الرابط:

http://www.tunisien.tn/%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3/%D8%B1%D8%B3%D9%85%D9%8A%D8%A7-

([47]) راجع موقع مساواة على الشبكة على الرابط:

http://www.musawah.org/sites/default/files/Qiwamah%20Initiative%20Overview%20AR.pdf

([48]) النسوية الإسلامية: ندوة ضمت منظرات النسوية الثلاث: آمنة ودود، وزيبا مير حسيني، وزينة أنور، أقيمت الندوة في الأردن، وكتبت حولها آمنة الزعبي تقريراً نشر في مجلة (الروزنة) في العدد (الحادي عشر) الصادر في خريف (2012م)، ص67

([49]) مفكر لبناني، ولد عام (1943م)، تمحور إنتاجه الفكري حول إشكالية التأويل، أي استراتيجية قراءة النص، وقد وظف فيها علي حرب عدة منهجية تستند لخلفيات متعددة كحفريات ميشيل فوكو وتفكيكية جاك دريدا، من مؤلفاته (التأويل والحقيقة).

([50]) أكاديمي وباحث مصري ولد بمصر عام (1943م)، درس بمصر وتخصص في اللغة العربية والدراسات الإسلامية، حصل على الدكتوراه من جامعة بنسلفانيا بالولايات المتحدة وتابع هناك دروساً في الألسنية والإنثروبولوجيا وعلم الاجتماع، وعاد للتدريس بمصر، ونشر كتابه (نقد الخطاب الديني) فأثار جدلاً وحكم على مؤلفه بالردة.

([51]) انظر: الإسلام الآسيوي، ص5-6.

   طباعة 
5 صوت
 
 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
5 + 6 = أدخل الكود
 
 
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة

المواد المتشابهة المادة التالية
 
 
جديد المواد
جديد المواد
بين حملة إسقاط الولاية وتقرير وزارة العمل - المقـــــــــــــــــالات
من حياد الأرصفة إلى معمعة الأسفلت ! - المقـــــــــــــــــالات
 
 
القائمة الرئيسية
 

البحث
البحث في
 

القائمة البريدية

أدخل بريدك الالكتروني لتصلك آخر اخبارنا
 

عدد الزوار
انت الزائر :41096
[يتصفح الموقع حالياً [ 3
الاعضاء :0الزوار :3
تفاصيل المتواجدون