أسلمة (السيداو) وطيور العقعق الفكرية !

عرض المادة
أسلمة (السيداو) وطيور العقعق الفكرية !
10208 زائر
10-12-2014

أسلمة (السيداو) وطيور العقعق الفكرية !

.

كتب بريان باري في كتابه (الثقافة والمساواة: نقد مساواتي للتعددية الثقافية) منتقداً أنصار التعددية الثقافية:"يميل أنصار التعددية الثقافية إلى أن يكونوا طيور العقعق الفكرية، فهم يلتقطون الأفكار الجذابة ويدمجونها في نظرياتهم من دون أن يشغلوا أنفسهم كثيراً بشأن الكيفية التي يمكن أن تتوافق بها تلك الأفكار بعضها مع بعض"([1]).

وطيور العقعق التي تحدث عنها باري تنتمي لفصيلة الغراب وتتميز بانجذابها إلى الأشياء البراقة، وتتغذى تلك الطيور على الحشرات، وبيض الطيور، وصغار الطيور، والثديات الصغيرة، كما يأكل العقعق الجيف، وتبني تلك الطيور أعشاشها الضخمة في الأشجار والشجيرات وتغطيها بغطاء من أعواد شائكة مفككة. والمعنى الذي يقصده باري أوضحه مترجم الكتاب بقوله:"المعنى الذي يقصده المؤلف هنا أن أنصار التعددية الثقافية يشبهون طائر العقعق في بناء أنساقهم الفكرية على نحو مفكك، مثلما يبني العقعق عشه، كما أنهم ينجذبون إلى أفكار بارزة كما ينجذب العقعق إلى الأشياء اللامعة، كما أن هناك شبهًا -وفق المؤلف- بين طريقة تغذية طائر العقعق وطريقة بناء فكر أنصار التعددية الثقافية"([2]).

والمذهب التوفيقي الساعي إلى التوفيق بين الإسلام ومخرجات الحداثة الغربية ليس ببعيد عن هذا الوصف، إذ تمثل التوفيقية بحسب تعريف محمد جابر الأنصاري: "النهج القائم على التقريب بين المتعارضات والأضداد أيًا كانت حدة التباعد بينهما"([3]).

والتيار المعروف بالنسوية الإسلامية أو (Islamic Feminism) والذي وجد فرصة سانحة للتمدد بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر كما حظي برعاية منظمة اليونسكو نفسها حيث عقدت لجنة الإسلام والعلمانية في المنظمة مؤتمرًا في الثاني عشر وحتى التاسع عشر من سبتمبر عام 2006م تحت عنوان (النسوية الإسلامية)، هذا التيار ينتمي لصنف الأطروحات التوفيقية التي تجاوزت التوفيقية الكلاسيكية بمراحل، بل شكَّلت متتالية لها، وسبق وأن عرَّفتُ بهذا التيار وأشرت لخطره في مقالة سابقةبعنوان:(الاتجاه التوفيقي الحديث بين المدرسة الإصلاحية والنسوية الإسلامية) على هذا الرابط: http://malakaljohany.com/play.php?catsmktba=17.

كما قمت بدراسة تحليلية مقارنة بين خطابي النسوية الإسلامية والعلمانية ضمن بحثي المقدم لنيل درجة الماجستير عام 1435ه، وانتهيت فيه إلى توافق أطروحات الاتجاهين النسوي الإسلامي، والنسوي العلماني حول مسائل وقضايا تتصل بالمرأة، من مثل:(القوامة، والولاية، وزواج المسلمة بالكتابي، والشهادة، والميراث، والحجاب)، واتفاق النتائج يعود للانطلاق من المنطلقات النظرية والإجرائية الحداثية ذاتها، مع تغطية النسوية الإسلامية مشروعها باسم الإسلام، الإسلام الذي سِيق لينحني للمرجعية الحقوقية الغربية، وباسم القرآن الذي تم فصل السُنَّة النبوية عنه، لتصبح مدونة حقوق الإنسان بمفاهيمها وقيمها هي المذكرة التفسيرية للقرآن، أما الفقه الإسلامي فقد تم إقصاؤه بذريعة ذكوريته، وبدلاً من أن يكون المنظار أنثوياً خالصاً لجأت النسويات للمنتج الحداثوي الغربي رغم كونه منتجاً ذكوريًا ورغم عدم خلوه من الرؤى الذكورية الحاطَّة من شأن المرأة ممثلة في كتابات فلاسفة الحداثة وما بعد الحداثة([4]).

وبمقابل النسويات اللاتي يرفضن التراث رفضاً مطلقاً، نصادف من تستحضره في منتجها الفكري، لكن بعلاقة تضمينية تلفيقية لا بعلاقة منهجية، ومثال ذلك النسوية المغربية أسماء المرابط، التي تستدعي أقوال عدد من المفسرين من القدامى والمعاصرين لخدمة مذهبها الفكري وتعزيز استنتاجاتها النسوية؛ فيجتمع في كتاباتها السلفي والصوفي والشيعي وكلهم يحضرون بوصفهم شهودًا لأفكارها لا غير([5]).

ووفقًا للرؤية النسوية الإسلامية فعلى الفقه الإسلامي المعاصر أن يتخذ من حقوق الإنسان معياراً ومقوِّمًا جديداً كما قالت إحداهن:"لم تتعرض عملية إنتاج المعرفة الدينية في الماضي للتدقيق أو الضغط من قبل مجتمع عالمي يرفع راية المعايير الدولية لحقوق الإنسان، ولكن اليوم أصبح من الصعب بمكان إصدار أحكام دينية تغض الطرف عن ممارسات مثل الرق وضرب الزوجات وزواج الأطفال أو تشجعها، حتى ولو كانت لهذه الأحكام جذور ومبررات في النصوص الدينية، فقد أضحت حقوق الإنسان معياراً جديداً لتقييم إنتاج المعرفة الدينية"([6]).

ومن هنا انتهت المنظرة النسوية الإسلامية آمنة ودود المعروفة بالسيدة الإمام لإمامتها صلاة مختلطة جمعت بين الرجال والنساء في أمريكا والتي تدافع عن المنظور المُعلي من شأن المرجعية الحقوقية الغربية ولو أدى ذلك لتجاوز الدلالة المباشرة للنص القرآني، الأمر الذي يُبرز بوضوح التفاوت الملحوظ بين التنظير ومدى الالتزام به عند التطبيق لدى النسويات الإسلاميات، انتهت حول الآية (34) من سورة النساء (واللاتي تخافون نشوزهن فاضربوهن) إلى القول: "لا يمكن الالتفاف حول هذه الآية بالرغم من كل المحاولات التي قمت بها خلال العقدين الماضيين، لا يسعني أبداً أن أبارك إعطاء الرجل الإذن بأن ينزل (عقاباً بدنياً) على المرأة، أو أن يمارس نحوها أي نوع من أنواع الضرب، ويدفعني الوقت الطويل الذي استغرقته لدراسة هذه الآية، إلى أن أعدها أفضل موضع لعرض الإمكانات التأويلية والتنفيذية المتاحة في تناول الآية، ويقودني ذلك إلى توضيح السبيل الذي انتهى بي إلى (الرفض الواضح والصريح للتطبيق الحرفي لهذه الفقرة)، ولهذا الرفض أيضاً تبعات فيما يتعلق بتبعات تطبيق الحدود. إن الآية والتطبيق الحرفي للحدود ينمَّان كليهما عن معايير أخلاقية لسلوكيات بشرية قد أضحت في عصرنا الحالي سلوكيات همجية عفى عليها الزمن، وهي سلوكيات ظالمة لو نظرنا إليها بمنظور تجربة وفهم الإنسان المعاصر للعدالة، وهي بذلك تصبح أفعالاً لا تقرّها المفاهيم الكونية للكرامة الإنسانية"([7]).

وتندرج هذه الرؤية في إطار رؤية تقوم على المساواة الكاملة بين الرجال والنساء في شتى الأحكام الموصوفة من قبل النسويات الإسلاميات بالأحكام التمييزية والتي لم تعد مناسبة للعصر -برأيهن-، ومن تلك الأحكام (ميراث المرأة) والذي انتهت فيه أسماء المرابط إلى (المساواة الكاملة) لأن "التطبيق الحرفي للآية-التي تنص على أن للذكر مثل حظ الأنثيين-أصبح على المستوى البنيوي غير عادل وعاملاً لتعميق اللامساواة"([8]).

ومن أبر النسويات الإسلاميات الناشطات في هذا الميدان والتي أثرت تأثيراً بالغاً في إصدار القانون المغربي الجديد للأسرة أستاذة الشريعة بجامعة مراكش فريدة البناني، ومن آرائها :

- التفريق بين الآيات التشريعية وغير التشريعية، ففي في الدورة التي قدمتها فريدة البناني لتدريب النساء على إعادة قراءة النص بخطوات منهجية تحت عنوان: (دورة تدريبية من أجل تفعيل دور النساء بمرجعية إسلامية وإنسانية في إطار برنامج حقوق الإنسان في الإسلام)، بالتعاون مع المنظمة الألمانية (gtz)، والتي قدمتها البناني في عدة دول منها جمهورية اليمن بتاريخ (24-29/11/2005م)، وفرقت -في هذه الدورة-في قراءتها للآيات القرآنية المشتملة على الأحكام ما بين آيات تشريعية وغير تشريعية، بناء على تفريقها بين النبوة والرسالة، إذ النبوة- برأيها- علوم، والرسالة أحكام، والآية التي تبدأ بقوله تعالى: (يا أيها الرسول) تتضمن تشريعاً، بخلاف الآية التي تبدأ بقوله تعالى: (يا أيها النبي)([9])، والتي تتضمن" تعليمات خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، أو تعليمات مرحلية جاءت لحقبة معينة، أو تعليمات عامة للمسلمين ولكنها ليست تشريعات"([10])، ولا شك أن الانطلاق من هذه القاعدة في تفسير النصوص القرآنية يلغي فرضية عدد من الأحكام المتعلقة بالمرأة، ومنها آية الحجاب، وليست دعوى التفريق بين قوله (يا أيها النبي) و(يا أيها الرسول) بالجديدة بل سبق فريدة إليها محمد شحرور([11]) في كتابه (الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة)، والذي يعد مصدراً من مصادر أفكار النسويات من مختلف بلدان العالم الإسلامي.

- كما ترى فريدة البناني أن قانون الأحوال الشخصية في المغرب ما زال يحتفظ بطابع اللامساواة بين الجنسين، ومن ذلك منعه المرأة المسلمة من الزواج بغير المسلم، الأمر الذي يحد من حرية المرأة في اختيار شريك حياتها، ولو تحملت تبعات اختيارها واقتناعها هي، فجعْل الدين من موانع الزواج في عصر قامت فيه المجتمعات الحديثة على مبدأ (فصل الدين عن الحياة)، لا يختلف عن المنع من الزواج بناء على العرق، أو الطبقة، أو اللون، فجميعها يمثل اعتداء على حرية الفرد وحقوقه الإنسانية، وقد صادقت الدول العربية على اتفاقيات قامت على هذا المبدأ. وانتقدت فريدة البناني القانون المغربي لتمسكه بقوامة الرجل في الأسرة، مما يتنافى مع مقاصد الإسلام الجوهرية –برأيها-حيث لا سيادة لرجل ولا لمرأة داخل الأسرة، بل المساواة الجنسانية والديمقراطية بين الزوجين في الإشراف. وتستمر الأستاذة في طرحها الذي يكشف التمييز الواقع ضد المرأة في الطلاق، والولاية، وغيرها، ثم تُجري مقارنة بين موقف النموذج المغربي المستند للفقه الإسلامي، ونموذج المواثيق الدولية، لتنتهي إلى أن المرأة في المواثيق الدولية عوملت على قدم المساواة مع الرجل في كل شيء، وأن المرأة في هذا النموذج هي المرأة الكائن الإنسان، وترى أن القول بأن اتفاقية (السيداو) لا تنسجم مع الإسلام، قول يسيء للإسلام نفسه، لأنه يعني أن دونية المرأة مكرسة في النصوص المقدسة، الأمر الذي يجب تغييره تماشياً مع المواثيق الدولية([12]).

وتشاركها في هذه الرؤية نسويات إسلاميات أخريات، فترى أميرة سنبل([13]) أن منح الرجل الحق بالتطليق حسب إرادته وعدم منح المرأة الحق نفسه تمييز خاص ضد النساء([14])، وتدعم زينة أنور الرؤية ذاتها للمساواة في الأسرة والتي ينبغي أن يتفق فيها الزوجان على الدين الذي يدين به طفلهما في حال تحول أحد الزوجين عن دينه([15]).

ونقد فريدة البناني السابق آتى أكله فلم تعد مدونة الأسرة الجديدة في المغرب تتضمن القوامة، بل استبدلت عبارة (الزوج رب الأسرة) من المدونة -والذي يشير للقوامة – لتحل محلها عبارة (المسؤولية المشتركة)، من خلال وضع الأسرة تحت المسؤولية المشتركة بين الزوجين بدلاً من القوامة، والواقع أن المطالبات النسوية الإسلامية بتغيير قانون الأحوال الشخصية أو ما يسمى بقانون الأسرة في الزواج والطلاق والإرث والزواج بالكتابي وإحلال المساواة التامة في الأسرة هو ما تتطلع إليه النسويات العلمانيات بغض النظر عن مستنداته، وقانون الأسرة المغربي الجديد الذي تحقق فيه (شيءٌ من هذا) ونجحت النسويات الإسلاميات في نقله لحيز التطبيق هو ماكانت تأسف النسويات العلمانيات التونسيات لفقدانه في مدونة الأحوال الشخصية التونسية([16]). رغم أن هذا القانون الذي ساوى بين الزوجين حتى في الطلاق لم يخفف من مشكلات الأُسر في المغرب، بل سجلت نِسب الطلاق ارتفاعاً بعد تطبيق المدونة القانونية الجديدة([17])، "وأرجع خبير اجتماعي هذه الزيادات للمدونة الجديدة للأسرة بعد تطبيقها كونها فتحت الباب أمام النساء المتزوجات ليطلبن الطلاق للشقاق، ويحصلن عليه حتى لو كان الطلب مشفوعاً بأسباب بسيطة وواهية"([18]).

هذا إلى جانب الضرر الذي قد يلحق بالمرأة ويجردها من مزاياها إذا ما تحققت المساواة في الإنفاق داخل الأسرة وأصبحت النفقة في الأسرة مسؤولية مشتركة وليست على عاتق الزوج كما ينص القرآن، وهو الأمر الذي جعل بعض منسوبي المنظمات غير الحكومية المطالبة بالمساواة في مدونة الأحوال الشخصية في مصر متخوفين وقلقين حيال هذه النقطة، نظراً للأوضاع الاقتصادية المتردية في مصر، والتي تأتي فيها هذه المطالبة لتضيف للنساء عبئاً مادياً يثقل كواهلهن وكاهل المرأة الفقيرة منهن بخاصة([19]).

والقانون المغربي هو ثمرة الاجتهادات النسوية المسماة على وجه المغالطة بالإسلامية، فهذه منظرة النسوية الإسلامية زيبا مير حسيني تبشر وتستبشر بهذا القانون وتعتبره خطوة على الطريق إلى المساواة الكاملة، بقولها:"إن الأصوات النسوية الجديدة في الإسلام تحتفي بقدوم نموذج قانوني قائم على المساواة لا يزال طوْر التطوير. ويعد قانون الأسرة المغربي الذي تم سنة (2004م)، والذي يُرسي المساواة بين الزوجين في الزواج والطلاق، برهاناً على الاتجاه الجديد الذي يسير فيه إصلاح قانون الأسرة"([20]).

وتتسق هذه المطالبة مع رؤية زيبا حسيني المنبنية على مقولة الموجة النسوية الثانية الشهيرة والذاهبة إلى أن (كل ما هو شخصي في حياة المرأة فهو سياسي) باعتبار الأمور الشخصية كالعلاقة الزوجية، ومهام المرأة زوجةً وأُماً أساساً ينبني عليه قمع المرأة في المجتمع، وبالتالي ينبغي تحليله بمفردات سياسية([21])، وانطلاقاً من هذه المقولة ترى زيبا حسيني (أن كل ما هو لاهوتي فهو سياسي أيضاً)([22]).

وتعضد نسوية أخرى مطالب الإصلاح المتعلقة بقانون الأسرة بشكل خاص بتتبع الجذور التاريخية "للتخيّر والتلفيق"([23]) من بين المدارس الفقهية المختلفة، فمن خلال عرض الأمثلة القائمة في الواقع لهذه الاستراتيجية التي أدت مهمتها في تغيير قانون الأسرة في أكثر من بلد إسلامي، يتبين أنها ليست بالأمر الجديد، أما الجديد فاضطلاع النساء الداعيات للمساواة والعدل داخل الأسرة أنفسهن بمهمة الاجتهاد، مما يسهم في تغيير القوانين. وكل تغيير في القوانين له قيمته ولو كان طفيفاً، لأن التغيير يجري في سياق عملية تراكمية تؤتي أكلها عبر الزمن، ومن أهم التغييرات طويلة المدى تغيير (مفاهيم) العلاقات الأسرية ([24]).

وكل هذه الجهود تتعاضد لأسلمة (السيداو) والتي تصفها زيبا مير حسيني بأنها أعطت للمرأة ما تريده فعلاً وبحثت عنه لسنوات طويلة، ألا وهو: (مصدر المشروعية) التي تمنحها حقوقها([25]).

ولا غرابة في تصريحها هذا فزيبا مير حسيني تنطلق من الإسلام (الواقع) نحو الحداثة (المثال) فتعترف أن الإسلام أرضية ثقافية، وتقول:"وسواء أكنا نمارس الإسلام أم لا فنحن مولودون في هذه الثقافة، ونؤمن أن الفقه ليس فقط نظاماً من القوانين، بل هو نظام من الأخلاقيات التي لم تعد منسجمة مع النظام الحالي للأخلاق، وهذا الأمر أصبح إشكالياً لأننا في القرن العشرين واجهنا صعوبة النسوية والحداثة وكان الدين أولوية فوقها"([26])، وترى زيبا حسيني أن الحل للمصالحة بين الدين الإسلامي والنسوية والحداثة هو (علمنة الدين)، فتقول:"الآن سواء رغبنا أم لا، فالدين أصبح في نطاق (العام)، وبالتالي خصخصة الدين منتهية، لقد ظهر الدين في نطاق العام وهو الآن أمامنا، وهو جزء من المشكلة، ونحن الآن نواجه فكفكة أو خصخصة الدين وهي أصعب من علمنة الدولة"([27]).

وحول مقتضيات المصالحة ترى زيبا مير حسيني أن المصالحة بين الإسلام والنسوية لن تتم مالم تتم (دمقرطة القانون والدين)، والدين هنا ليس منطلقاً بل جسراً وطريقاً، ولذا تضيف بلغة حاسمة وجريئة: "لا يمكن أن يكون هناك ثقافة دينية دون تعددية، وسأقول هذا والبعض لن يحبه في السياق المسلم: في هذه المرحلة من الزمن يجب أن نمر عبر الدين"([28]).

وتقبل نسوية الحداثة الإسلامية التعددية على المستوى الجماعي وليس على المستوى الفردي للمنظرات فحسب، وهذه التعددية هي ما يميز جماعات النسوية الإسلامية، بخلاف الجماعات النسائية الإسلامية الأخرى، فمجلة (زنان) -على سبيل المثال- أشرعت للكاتبات العلمانيات وغير المسلمات أبواب المشاركة بكتاباتهن النسوية على صفحاتها إلى جانب النسويات الإسلاميات، وترى صاحبات هذا التوجه أن المجلة أسست سلالة مشتركة للنسوية الإيرانية وأن إعادة رؤية الإسلام في المجلة وابتداعها لرؤية جديدة له، واحتوائها لكتابات سيمون دي بوفوار([29]) بجانب الآيات القرآنية، ومجاورة نصوص الزرادشتية لكتابات العطار الصوفية في المجلة، تحدَّى جميع الانتقادات، وكسر الثنائيات القائمة بين "الشرق والغرب، والحداثة والإسلام، والنسوية والأصالة الحضارية، بصفتها تصانيف قسرية تطالب النساء الإيرانيات بالاختيار ما بين الذات الحضارية والذات النسوية([30])"([31]).

كما ضمَّت جمعية (الشؤون النسوية والحوار مابين الثقافات) التي أسستها النسوية الإسلامية المغربية أسماء المرابط عام (2004م)، ناشطة يسارية تنتمي لأحد الأحزاب اليسارية، ولا ترى تلك الناشطة تناقضاً في كونها يسارية، علمانية، ومسلمة، لكون الجمعية التي تنتمي إليها ساعدتها في تحقيق جميع جوانب هويتها([32]).

وما تقوم به فريدة البناني بالتعاون مع الأمم المتحدة ومنظمات غربية يمثل نفس الاتجاه ويخدم المسار الجديد لتطويع الإسلام لمقتضيات الحداثة وفي كتاب (الإسلام في منعطف الطريق) -من مراجعة مارتينا صبرا- شرح لجهود طارق رمضان الموصوف بالمناضل من أجل إسلام عصري والمنسق للاجتماعات الأولى للنسوية الإسلامية في الغرب وآخرين ممن يسعون للسير بالإسلام نحو المنعطف المرجو، ويدخل هذا ضمن أوردناه هنا من أمثلة كاشفة لمنهجية طيور العقعق الفكرية التوفيقية ومنها ما يسمى بالنسوية الإسلامية والمرفوضة من قبل النسويات العلمانيات، وقد نقلت باحثة نسوية علمانية طرفاً من النقد الموجه للنسوية الإسلامية -أو التوفيقية بالأصح- من قبل الاتجاه العلماني بقولها:" ترفض النسويات العلمانيات الربط بين النسوية والإسلام لاختلاف السجلين، ولئن سعت الدارسات إلى تأصيل مفهوم النسوية من خلال دمجه في الثقافة الإسلامية وأسلمته، إلا أن هذه العملية تفضح اختلاف المرجعيات الفكرية واللاتجانس بين المصطلحين...وتعتبر بعضهن أن هذا الجمع بين المتضادين غير ملائم وغير مسؤول"([33]).

وحقوق الإنسان الموسومة بالكونية والعالمية أو المراد كوننتها وعولمتها ولو على حساب الإسلام، تظل تعبر عن الثقافة الغربية وتحولاتها وتقنين تلك الحقوق ما هو إلا رصد تطبيقي لتحولات تلك الثقافة، والذي يتجسد بالتوسع المستمر لمنظومة الحقوق إذ بلغت هذه الحقوق مائة وخمسين حقاً وما تزال قابلة للتناسل، كما يتجلى من الناحية الفكرية في تطور وتحول المفاهيم، ومن ذلك المفاهيم المتصلة بالحقوق الاجتماعية على وجه الخصوص كتحولات مفهوم الأسرة في الغرب، وظهور أنماط جديدة من الأسر بجانب الأسرة التقليدية القائمة على نظام الزوجية والمكون من (الذكر والأنثى)، والاعتراف بالشذوذ بمختلف أنواعه نظاماً أسرياً([34])، وهذا يتسق مع التحولات التي شهدها الفكر الغربي في مرحلة ما بعد الحداثة حيث تغيب الحقيقة الكلية وتنعدم المعيارية حتى أصبح كل شيء منفتحاً تماماً كالنص المنفتح لمتخلف التأويلات، وانعكس هذا بدوره على علم النفس الغربي والذي أسقط مفهوم الانحراف بحيث "أصبح كل شيء تقريباً مقبولاً، وأصبح من المستحيل الحديث عن إنسان سوي وآخر شاذ، بل ولا عن طبيعة بشرية تتسم بالثبات، وهذا يشكل سقوطاً كاملاً في قضية الصيرورة !"([35]).

وهذا مما يكشف خطأ القائلين بعالمية حقوق الإنسان وحياديتها المطلقة، وأن وصفها بإيديولوجيا الهيمنة غير دقيق، وأن ما يحدث من استخدامها بوصفها أداة للهيمنة مجرد خطأ في التوظيف وليس في الأسس والمضامين الكونية المحايدة، وإذا كانت العالمية انفتاح على العالم وعلى الثقافات الأخرى كما يقول المفكر المغربي محمد عابد الجابري، فالعولمة إرادة لاختراق الهوية الثقافية للآخر وسلبه خصوصيته ونفيه من العالم تالياً([36])، وهذا ما يتحقق في حقوق الإنسان على مستوى الصياغة النظرية والتطبيق العملي بالاتفاقيات الأممية الملزمة، والتي تدّعي احترام الخصوصيات الثقافية في مادة من مواد اتفاقياتها، ثم تنقضه في مادة أخرى تدعو لتقديم مضامين الاتفاقية على الخصوصيات في حال تعارضهما، كما في اتفاقية (إزالة كافة أشكال التمييز ضد المرأة) المعروفة بـــ(السيداو)([37]).


([1]) الثقافة والمساواة: نقد مساواتي للتعددية الثقافية، ترجمة: كمال المصري، ص161.

([2]) المرجع السابق.

([3]) الفكر العربي وصراع الأضداد، ص16.

([4]) حول صورة المرأة لدى فلاسفة الحداثة راجع: سلسلة المرأة في الفلسفة لإمام عبد الفتاح، والنساء في الفكر السياسي الغربي لسوزان مولر.

([5]) انظر مثلاً: القرآن والنساء: قراءة للتحرر، ص83،، و194، والإسلام والمرأة: الطريق الثالث، ص42، 62.

([6]) التحديات التي تواجه النسوية الإسلامية لإصلاح قانون الأحوال الشخصية- لمروة شرف الدين، ورقة عمل نشرت في كتاب (النسوية والمنظور الإسلامي)، ص75.

([7]) بحث في القرآن والجنسانية-لآمنة ودود، دراسة نشرت في كتاب (النسوية والدراسات الدينية)- تحرير: أميمة أبو بكر، ص 262.

([8]) المرجع السابق، ص104.

([9]) انظر: دورة (تفعيل النساء بمرجعية إسلامية إنسانية)- لفريدة البناني، ص26.

([10]) المرجع السابق.

([11]) أكاديمي وباحث سوري ولد عام (1938م)، درس في دمشق وسافر للاتحاد السوفييتي للدراسة وحصل منه على الإجازة في الهندسة المدنية، عاد بعدها للتدريس بجامعة دمشق، ثم أوفد لإتمام الدراسات العليا في إيرلندا فحصل على الماجستير والدكتوراه من جامعتها في تخصص ميكانيك التربة وأساساتها، من مؤلفاته: (الكتاب والقرآن:دراسة معاصرة).

([12]) انظر: وضعية المرأة في المغرب بين القوانين والمواثيق الدولية- لفريدة البناني، دراسة نشرت في كتاب (الوضع القانوني للمرأة العربية: دراسة ميدانية في ثمان دول عربية)، ص271-295.

([13]) أستاذة التاريخ والقانون والمجتمع الإسلامي بجامعة جورج تاون، متخصصة في تاريخ مصر الحديث والتاريخ الإسلامي، والمرأة والنوع الاجتماعي في الإسلام، عضو المجلس الاستشاري الدولي لحركة مساواة، لها العديد من المؤلفات باللغة الإنجليزية، منها: (تاريخ النساء).

([14]) انظر: نشأة قانون الأسرة: أثر الشريعة والعرف والقوانين الاستعمارية على تطور قوانين الأحوال الشخصية-لأميرة سنبل، بحث نشر في كتاب (نريد المساواة)- تحرير: زينة أنور، ص184.

([15]) انظر: الأطفال الماليزيون في الزيجات بين الأديان، مقالة نشرت في موقع (خدمة الأرضية المشتركة الإخبارية)، بتاريخ: 22 مايو (2009م)، على الرابط: http://www.commongroundnews.org/article.php.

([16]) انظر: أبنية المواطنة المنقوصة: ثقافة التمييز، مقالة نشرت في كتاب (نقد الثوابت)-لرجاء بن سلامة، ص61.

([17]) انظر: المرأة المسلمة بين تحديات التمكين ومستقبل التنمية- لمريم آيت أحمد، ص52.

([18]) المرجع السابق.

([19]) انظر: التحديات التي تواجه مساعي النسوية لإصلاح قانون الأحوال الشخصية- لمروة شرف الدين، ورقة عمل نشرت في كتاب(النسوية والمنظور الإسلامي)، ص66-73.

([20]) نحو تحقيق المساواة بين الجنسين: قوانين الأسرة المسلمة والشريعة- لزيبا مير حسيني، ورقة عمل نشرت في كتاب (نريد المساواة)، ص61، وانظر: مستقبل النسوية الإسلامية، مقابلة مع مارجو بدران أجرتها يوغندر سيكاند، ترجمة: سلوى العمد، نشرت الترجمة في مجلة (الروزنة) في العدد (الحادي عشر) الصادر في خريف 2012م، ص90.

([21]) انظر:الموجة النسوية الثانية- لسو ثورنام، دراسة نشرت في كتاب (النسوية وما بعد النسوية)، تحرير:سارة جامبل، ص59.

([22]) انظر: تقرير ندوة النسوية الإسلامية- لآمنة الزعبي، نشر التقرير في مجلة (الروزنة) في العدد (الحادي عشر) الصادر في خريف 2012م، ص67.

([23]) قانون الأسرة في السياقات الإسلامية: دوافع واستراتيجيات التغيير- لكاسندارا بالشن، ورقة عمل نشرت في كتاب (نريد المساواة)، ص205.

([24]) انظر: المرجع السابق، ص194، 205-206، 218.

([25]) النسوية الإسلامية: ندوة ضمت منظرات النسوية الثلاث: آمنة ودود، وزيبا مير حسيني، وزينة أنور، أقيمت الندوة في الأردن، وكتبت حولها آمنة الزعبي تقريراً نشر في مجلة (الروزنة) في العدد (الحادي عشر) الصادر في خريف (2012م)، ص70.

([26]) المرجع السابق.

([27]) المرجع السابق.

([28]) المرجع السابق، ص69.

([29]) كاتبة وروائية فرنسية، ولدت عام (1908م)، طالبت بالمساواة بين الجنسين سياسياً واقتصادياً، وهي رفيقة درب الفيلسوف جان بول سارتر، وكان لها أثرٌ بارز في الحياة الفكرية الفرنسية منذ الأربعينات وحتى الثمانينات من القرن العشرين وقد عالجت المواضيع التي تدور حول الالتزام والمسؤولية الشخصية والحرية الاجتماعية والسياسية، توفيت عام (1986م)، ومن أشهر مؤلفاتها كتاب (الجنس الآخر).

([30]) النسوية في جمهورية إسلامية: سنوات الشدة سنوات النمو-لأفسانة نجم أبادي، دراسة نشرت في كتاب (الإسلام والجنوسة والتغير الاجتماعي)- تحرير: إيفون يزبك حداد وجون إل اسبيزيتو، ص162.

([31]) انظر: المرجع السابق، ص162-167.

([32]) انظر: الحركة النسوية الإسلامية في المغرب-لمارتينا صبرا، ترجمة: رائد الباش، تقرير نشره موقع (قنطرة) الألماني، ونشر في موقع (إسلام مغربي)، على الرابط: http://www.islammaghribi.com.

([33]) النسوية الإسلامية حركة نسوية جديدة أم استراتيجيا لنيل الحقوق- لآمال قرامي، ورقة عمل نشرت في كتاب (النسوية العربية: رؤية نقدية)، ص366-367، وراجع في نقد النسوية الإسلامية: بنيان الفحولة- لرجاء بن سلامة، ص148-149.

([34]) انظر: الأسرة في الغرب: أسباب تغير مفاهيمها ووظيفتها- لخديجة كرار، ص306.

([35]) اللغة والمجاز بين التوحيد ووحدة الوجود- لعبد الوهاب المسيري، ص152.

([36]) انظر: العولمة والهوية الثقافية: عشر أطروحات- لمحمد عابد الجابري، مقالة نشرت في موقع (فلسفيات) على الشبكة، على الرابط: http://falsafiat.ahlamontada.net/t6-topic

([37]) انظر: المصطلحات الوافدة وأثرها على الهوية الإسلامية- للهيثم زعفان، ص66-96، وراجع: حقوق المرأة في الإسلام واتفاقية (سيداو) قراءة نقدية هادفة- لمحمد يحيى النجيمي، محاضرة قدمت بتاريخ: 9 صفر 1428ه، ونشرت من قبل مجمع الفقه الإسلامي، منتدى الفكر الإسلامي.

   طباعة 
5 صوت
 
 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
5 + 6 = أدخل الكود
 
 
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة

المواد المتشابهة المادة التالية
 
 
جديد المواد
جديد المواد
بين حملة إسقاط الولاية وتقرير وزارة العمل - المقـــــــــــــــــالات
من حياد الأرصفة إلى معمعة الأسفلت ! - المقـــــــــــــــــالات
 
 
القائمة الرئيسية
 

البحث
البحث في
 

القائمة البريدية

أدخل بريدك الالكتروني لتصلك آخر اخبارنا
 

عدد الزوار
انت الزائر :43311
[يتصفح الموقع حالياً [ 3
الاعضاء :0الزوار :3
تفاصيل المتواجدون