قراءة في كتاب النساء والفضاءات العامة في المملكة العربية السعودية

عرض المادة
قراءة في كتاب النساء والفضاءات العامة في المملكة العربية السعودية
3756 زائر
20-06-2014
ملاك الجهني

السعوديات بعدسة فرنسية

قراءة في كتاب: النساء والفضاءات العامة في المملكة العربية السعودية

(من البداية كانت نجلاء تحديًا !)

هذا ما قاله الصحفي الأمريكي لورانس رايت عن زميلته المنتقبة في صحيفة سعودي جازيت في مطلع حديثه عن واقع الحياة في السعودية.

وعبارة رايت تمتح من رؤية تاريخية شكّلت فيها المرأة المحتجبة تحديًا صريحًا أمام (الرجل-المستعمر الأبيض) الذي انتهك الحدود، وانتهك الأوطان، وتطلع بشغف لانتهاك الحجاب!

وفكرة الانتهاك نفسها (انتهاك الحدود، المحرمات...) ليست بغريبة على فكر الحداثة الغربية، فقد بلغت الفكرة مداها لدى الماركيز دي ساد، كما تمثلت لدى غيره بدرجات متفاوتة.

وفي كتاب (النساء والفضاءات العامة في المملكة) للباحثة الفرنسية أميلي لورونار نصادف الانتهاك مُسقطًا على سلوك السعوديات، كما في الفصل المعنون بقولها (ننتهك معا !)، وسواء أعبَّرت الترجمة بدقة عن النص الأصلي بالفرنسية أم لم تعبّر، فلا شك في وجود فروقات دلالية بين الانتهاك والعصيان ومخالفة الأحكام الشرعية إذ يتضمن الانتهاك دلالات تتجاوز العصيان والمخالفة، هذا من الناحية النظرية أما الناحية الواقعية فسلوك السعوديات الموصوف بالانتهاك لم يتخط المخالفة والعصيان كما سيأتي، مما يثير التساؤلات المعهودة حول أمانة الترجمة، وحول مدى تجرد المؤلف-صاحب النص الأصلي- أو المترجم-الموصوف عادة بالمؤلف الثاني للنص- من خلفيتهما الأيديولوجية، ويعيد ترسيم الحدود بين الحياد والموضوعية في البحث العلمي، ويبين موقعهما بدقة في كل من التوصيف والتحليل، أي يعيد تعريف -ما يوصف خطأً- بالموضوعية.

أصل الكتاب الصادر عن الشبكة العربية عام (2013م) رسالة دكتوراه استغرق إنجازها عدة سنوات، أمضت منها الباحثة عشرة أشهر في المملكة ما بين عامي (2005-2009م)، واستهدفت فيها الفضاءات العامة الجامعة للفتيات الحضريات في مدينة الرياض بالدراسة. ووصْف السعوديات هنا ليس مطلقًا وإنما يختص بالشريحة المشار إليها بحسب ما ذكرته الباحثة التي تناولت ببحثثها الميداني أربعة فضاءات تجمع الشابات السعوديات، وهي: (فضاءات الدراسة، وفضاءات العمل، والفضاءات الدينية، وفضاءات التسوق)، وقد ذكرت الباحثة أنها قضت أوقاتًا ليست باليسيرة -امتدت أحيانًا لصباحات كاملة- مع جماعات المؤانسة الفتاتية (الشلل) في فرع جامعة الملك سعود في عليشة، ورافقت بعضهن للمراكز التجارية، وأحد المهرجانات، كما أجرت الباحثة بعض مقابلاتها في إحدى الجمعيات النسائية الخيرية غير الدينية، وزارت الباحثة كذلك مراكز تحفيظ القرآن النسائية، وجامعة الإمام، وشهدت بعض الاجتماعات الدعوية والمحاضرات وغيرها، لكنها نبَّهت إلى (محدودية) اتصالها بالفضاءات الدينية نسبة إلى الفضاءات الأخرى التي ترددت عليها بكثرة ومكثت فيها فترات زمنية أطول.

وقد صدّرت الباحثة دراستها بذكر أدواتها التحليلية وصرّحت بتجنبها لاستخدام مفهوم (البطركية-الأبوية) بوصفه مفهومًا تحليليًا ومحوريًا مستخدمًا لكشف علاقات الهيمنة في الدراسات النسوية، وعللت الباحثة استبعادها للمفهوم بالطابع اللاتاريخي للأبوية، وتطبيقه في سياقات مختلفة جدًا، تؤدي لسحق خصوصية السعوديات، فاستبعدته نظرًا لذلك ولما تلقاّه المفهوم من نقدٍ عُدّت فيه الأبوية مفهومًا عابرًا للقوميات وعابرًا للثقافات.

وبينما تستبعد الباحثة (البطركية-الأبوية) من أدواتها التحليلية تُبقي على مفهوم (الجندر-النوع) بوصفه نشاطًا منجزًا دون توقف، وممارسة ارتجالية تنتشر داخل مشهد من القيود، وبوصفه أيضًا إنجازًا قيد التحقق، ورغم هذه الصبغة الدينامية في استخدام المفهوم والتي ظنّت الباحثة أنها كافية لكسر القوالب الجامدة وتجاوز مأزق الخصوصية الثقافية فلا تلبث الباحثة أن تقع تحت تأثير رؤية جوديث بتلر التي ترى أن الهوية الأصلية التي يتأسس عليها الجندر (هوية لا أصل لها)، ويتضح هذا في تحليل الباحثة لبعض ممارسات السعوديات وفقاً لتلك الرؤية كما في حديثها عن (طقسنة الأنوثة)، و(الأدوار الطبيعية) و(الفروق الجوهرية بين الأنوثة والذكورة)، ولا شك في أن هذه الرؤية النسوية هي نتاج ثقافة غربية تختلف اختلافًا كليًا عن التصور الإسلامي، والواقع أن الباحثة تستخدم المفهوم باعتباره عابرًا للثقافات هو الآخر ولا فرق !

ذكرت الباحثة في مقدمتها أن الحديث عن السعوديات بصورة عامة لا يفيد كثيرًا وأن الدراسات التي أجريت على السعوديات أثبتت وجود (فروقات) تمنع من إصدار تعميمات عليهن، وترى أن الحل الأمثل لدراسة واقع على قدر كبير من التعقيد هو السعي لتحليل يسلط الضوء على خصوصية السياقات وعلاقات السلطة وسيرورات الإدماج والتهميش و(عمل التجميع) الذي يطبعها، مستندة لمقولات ميشيل فوكو حول السُلطة بصفة أساسية.

ورغم طغيان الطابع الوصفي على الدراسة القائمة على المنهج الإثنوجرافي في البحث الميداني، وتجنب الباحثة لإطلاق أحكام قيمة على سلوك السعوديات المستجوبات- من شريحة عمرية تراوحت بين العشرين إلى الثلاثين على الأعم- وعلى الممارسات الملحوظة للشابات السعوديات داخل الفضاءات العامة، رغم ذلك فلم يخل التحليل من الأحكام المضمرة والتي طفا بعضها على السطح أحيانًا.

وقد قسمت الباحثة كتابها إلى ثلاثة أقسام: تتناول في القسم الأول منه الفصل بين الجنسين في المملكة، والسياقات السياسية والاقتصادية التي ظهرت من خلالها أنماط الفضاءات الأربعة المفتوحة للنساء، بينما خصصت القسم الثاني لطُرق دخول السعوديات للفضاءات العامة، وأما القسم الثالث -وهو في نظري القسم الأهم والأكثر عمقًا في الكتاب- فيهدف إلى التساؤل إلى أي حد يمكن لتقاسم الفضاءات المشتركة من طرف الشابات المدينيات أن يدفعهن إلى التماهي في مجموعة؟

ورغم أهمية الدراسة في تصوري فيبقى أن القارئة السعودية للكتاب لن تصادف جديدًا في جانب منها، ربما يعد –بالمقابل- جديدًا للقارئ الغربي المتشوف للتعرف على حياة المرأة السعودية المحجَّبة أو غير المتاحة له بصريًا على الأقل، كما قد يمثل ما ذكر في الكتاب جديدًا للقارئ العربي كذلك والذي لا يدري ما يجري في المجتمعات النسائية المغلقة في السعودية، وإن كان العربي لا يبدي الاهتمام نفسه الذي يبديه الغربي (المختلف ثقافيًا)، وذلك للمشترك الثقافي الإسلامي المتضمن للفصل بين الجنسين والذي جرى تطبيقه في عصور التاريخ الإسلامي والممتدة حتى ما قبل عهد الاستعمار الغربي للعالم الإسلامي.

وغاية ما قد تقدمه الباحثة للقارئ العربي في هذا الشأن هو دراسة نموذج معاصر للفصل بين الجنسين في دولة إسلامية حديثة ومواكبة للحداثة، بخلاف النموذج التاريخي للفصل بين الجنسين في العالم الإسلامي، فقد بيّنت الباحثة كيف مرّ الفصل بين الجنسين في المملكة بمرحلتين زمنيتين متعاقبتين ورصدت التشابهات والتغيرات في كل منهما، فتذكر الباحثة مثلاً أن الثروة النفطية مكّنت الأفكار الصحوية من التحقق في مشروعات تفصل بين الجنسين، الأمر الذي لم يتهيأ في دول إسلامية أخرى لأسباب مادية، وتستشهد الباحثة لذلك بتجربة الكويت المتأخرة في الفصل بين الجنسين في الجامعة والتي تراجعت عنها الدولة لتكلفتها المرتفعة.

وتستحضر الباحثة في تحليلها السياقات الاجتماعية والسياسية والدينية المؤثرة في الفصل بين الجنسين في المملكة، فتتحدث عن تأثير الصعود القوي لخطاب الإصلاح بعد الحادي عشر من سبتمبر في صعود النزعة الوطنية المخالفة للإسلام سابقًا، وفي فتح فضاءات أخرى أمام السعوديات وبخاصة في القطاع الخاص، ومن الملحوظات الدقيقة التي لم تغب عن الباحثة في تحليلها لتناول قضية المرأة في الخطاب الإصلاحي، هي كيف تم ترويج نموذج الأنوثة (المهنيَّة) والاحتفاء بالعمل الوظيفي عبر (المشاركة في التنمية الاجتماعية) للوطن، وأن تكون المرأة (منتجة) وأن تكون (عضوًا فاعلًا)، وترى الباحثة أن مثل هذه الوصايا التي يتضمنها الخطاب "تستبطن أن النساء اللاتي لا يمارسن عملًا وظيفيًا هنَّ عضوات خاملات، أو على الأقل غير فاعلات في المجتمع طبقًا للقواعد التي تستند إليها المعاهدات الدولية حول الإحصاء"، وترى الباحثة أن الترويج لهذا النموذج لا ينحصر في كونه مشروعًا اقتصاديًا، بل " يتضمن تغيّرا في المخيال حول ما يعنيه أن تكون المرأة سعودية"!.

وقد تضمن الكتاب عددًا من الملحوظات الواقعية حول السعوديات توزعت بين السلب والإيجاب برأيي، وسأورد بعضًا من تلك الملحوظات والتي عنونتها بعناوين لا تتطابق بالضرورة مع العناوين التي وردت تحتها في الكتاب:

السعوديات والآخر

تحدثت الباحثة عن تحفظ بعض السعوديات تجاه غير السعودي والذي لا يبالين بوجوده كالنادل في المطعم أو المقهى.

كما أشارت لتصرف بعضهن تجاهها، مشيرة لسلوكين مزدوجين، أحدهما تحاول أن تُظهر فيه الفتاة السعودية محافظتها ومحافظة أسرتها أمام باحثة غربيّة، والآخر تحاول أن تُظهر فيه السعودية تحررها وتحرر أسرتها أمامها !

وتحيل هذه الملحوظات –برأيي- لعدة مسائل منها: الحدود الفاصلة بين التدين والعادة، والنظرة الطبقية للآخر (الأدنى) من منظور الثقافة الشعبية، وتجميل الذات أمام الآخر (المستعلي) حضاريًا.

السعوديات وتحرير المرأة

تذكر الباحثة أن أيًا من السعوديات المستجوبات لم تقم بتوظيف حجة (تحرير المرأة) أثناء الحديث عن العمل الوظيفي، مما يؤكد -في رأيي- أمران، أولهما: تميز التجربة السعودية في تعليم المرأة وعملها، وأن محاولة إسقاط التجارب التاريخية للمرأة الغربية على تجربة المرأة السعودية ضربٌ من التسطيح والمغالطة التاريخية، وثانيهما: وعي المرأة السعودية بتميز تجربتها وغياب الطابع الصراعي عنها، وقد بسطت هذين الأمرين في مقالة سابقة بعنوان : القراءة عكس السطر: المرأة السعودية ووعي المرحلة.

http://malakaljohany.com/play.php?catsmktba=13

السعوديات والنسوية الليبرالية

استخدمت الباحثة مصطلح النسوية الليبرالية لوصف النساء السعوديات المطالبات بحقوق المرأة وفقًا للمدونة الحقوقية الغربية، وأشارت لموقف الشابات السعوديات من هذه الفئة، وتحت عنوان جانبي هو (غياب التشبّه بالليبراليات) ذكرت الباحثة أنه وعلى الرغم من انتهاك السعوديات للقواعد الإسلامية بشكل علني فمعظم المستجوبات تبنَّين خطابًا نقديًا نوعًا ما تجاه الليبراليات "لاعتقادهن أن أولئك يذهبن بعيدًا، وأنهن متأثرات جدًا بتجربتهن في الدول الغربية، ومنفصلات عن المجتمع، أو أنهن يدافعن عن مطالب لا معنى لها، أو ليس لها الأولوية بالنسبة للسعوديات"، وهذا لا يعني –بحسب الباحثة -عدم وجود التقاء بين آراء عدد مهم من المستجوبات مع مطالب الليبراليات كالاختلاط وقيادة السيارة والتي تراها المستجوبات سلوكيات غير منافية للإسلام، لكن صاحبات هذه الرؤية يحرصن على تقديم أنفسهن -ودون طلب من الباحثة كما ذكرت هي نفسها- على أنهن لسن (ليبراليات) ولسن (متشددات)، وترى الباحثة أن صاحبات هذه الرؤية يتناغمن مع الخطاب الإصلاحي البارز بعد الحادي عشر من سبتمبر.

السعوديات وانتهاك القواعد الإسلامية

من الملحوظات المهمة التي أوردتها الباحثة في الفصل المعنون بـ(ننتهك معًا) ملحوظتها حول (البعد الجماعي) لما وصفته بانتهاك القواعد الإسلامية في الفضاءات العامة المحكومة بمرجعية إسلامية، مشيرة لأهمية هذا البعد بقولها: "لا بد من التركيز على البعد الجماعي لممارسات انتهاك القواعد"، خاصة وأن أسباب تبني تلك الممارسات-بحسب الباحثة- متنوعة ومتضاربة: من العزم على الانتهاك، إلى التماهي مع المجموعة دون وضع القِيم في الميزان، ذلك أن مضاعفة الصور-كما تشير الباحثة- تؤسس للوضعية الطبيعية للممارسة المرفوضة وتتحول معها الممارسة الشاذة إلى أمر عادي دون اللجوء للمعيار، وقد أفادت بعض المستجوبات أن ممارسة تلك الانتهاكات تعتبر شرطًا للانتماء لمجموعة الأقران، كما أن تلك الخروقات للقواعد الإسلامية كعدم الالتزام بالضوابط الشرعية للباس والحجاب بخاصّة باتت منتشرة ومقبولة نسبيًا لدى الفتيات الحضريات، وعلى الرغم من كونها ظاهرة غير منظَّمة، أي لم يجر الاتفاق عليها ولا تُعرف أغراضها، وليس لها استراتيجيات تتطابق معها فهي (أفعال منسَّقة)، ومآل تلك الانتهاكات المتكررة والرائجة هو التحول إلى (نمط)، وهذا ما حدث بالفعل لبعض الممارسات التي أصبحت مبتذلة –بحسب تعبير الباحثة –بين الشابات السعوديات مما قلل من قيمتها الانتهاكية كتحويل العباءة إلى اكسسوارات للزينة، الأمر الذي يعد مرفوضًا في التأويل الديني الرسمي، كما تشير الباحثة للانتهاكات الأخرى البادية للعيان والتي تندرج تحت إطار أشمل لاستخدام الممنوعات، "كما يدل عليه تداول المقاطع والفيديوهات الساخرة، والكتب الممنوعة في السعودية وأهمها روايات عبير التي تحكي قصص حب رومانسية وكتب الأبراج المستوردة في الغالب من البحرين"، وترى الباحثة أن هذا يتطابق مع ما يسمى بــ(النصوص المخفية) وهي –في رأي الباحثة- "ممارسات يسخر من خلالها المسيطر عليهم وبشكل نسبي من علاقات السلطة، ومن دون الادعاء أنهم مسيطر عليهم"، ولأن الانتهاكات أفعال مكررة يوميًا ويتبناها عددٌ كبير من الفتيات، فهي لا تمس سمعة من تقوم بها ولا تؤدي لعقوبات من طرف السلطات المعنيّة بتطبيقها في تلك الفضاءات، ولا في المحيط العائلي بشكل عام، بخلاف الانتهاكات الأكثر (استفزازًا) -برأي الباحثة- كعدم ارتداء الحجاب والذي ترى الباحثة أن من يقمن به إما يفعلنه بموافقة أهلهن، أو أن الفاعلات في قطيعة مع عائلاتهن وقررن أن يفعلن ما يحلو لهن بغض النظر عما يمكن أن ينتج عن ذلك من توترات وصراعات مع المحيط العائلي والمقصود بالعائلة هنا ما يعرف بالعائلة الممتدة لا الأسرة النووية.

وفي سياق الحديث عن أنواع الانتهاكات التي تمارسها من تسميهن الباحثة بالشابات السعوديات تارة، وبالفتيات المدينيات أو الحضريات تارة أخرى تجاه النظام العام الذي تمثل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أحد أجهزته التنفيذية، تصف الباحثة -في هذا السياق- ممارسات السعوديات تجاه رجال الهيئة وجرأة بعضهن على مواجهتهم بالانتهاك غالبًا وبالنقد أحيانًا بأنها ممارسات ينبغي أن تُقرأ "في ضوء الإطار السياسي الذي يشجعها: فهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تعرضت لنقد كبير في وسائل الإعلام، وفي إطار الخطاب المضاد للإرهاب والفكر المنحرف".

وتطرح الباحثة نموذجًا معاكسًا للنموذج الفرنسي فتقابل الباحثة بين انتهاك المسلمات في فرنسا للقواعد العلمانية بارتدائهن الزي الإسلامي في الفضاء العام، وبين فتيات الرياض في انتهاكهن للقواعد الإسلامية المتعلقة باللباس في الفضاء العام، وتبين في موضع آخر من كتابها أن ثنائية (محجبة/ سافرة) ليست متجذرة في السعودية كما هو الحال في أماكن أخرى من العالم، إذ يتجذر التقابل في السعودية بين (ملتزمة/ وغير ملتزمة) دينيًا بصورة أكبر، ومن الملحوظات اللافتة للباحثة في هذا الموضوع أن السعوديات رغم انتهاكهن للمحرمات لا يشككن غالبًا في صحة المبدأ الذي يخالفنه، ويعترفن أحيانًا بوجود فارق بين قناعاتهن وسلوكهن، وهذه برأيي ملحوظة على قدر كبير من الأهمية، ومع ذلك فلا ينبغي الركون إليها خاصة وأن الخطاب النسوي العلماني والإسلام النسوي المدعوم غربيًا بعد الحادي من سبتمبر يسعى لزعزعة الموثوقية الدينية بلا تفريق بين الفروع والأصول.

ولا يضيف جديدًا- للقارئ المسلم- أن يقال أن ما ذكرته الباحثة بشأن البعد الجماعي لمخالفة القواعد الإسلامية وتطبيع المخالفة بالتفشي والتكرار هو مما استوعبه الإسلام واحتاط له وأوجزه القرآن في (التواصي بالحق والتواصي بالصبر)، كما استوعبته السنة في نصوص عديدة، والتفصيلات الشرعية المتعلقة بالتناصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على المستويين الجماعي والفردي تحتل مساحة مهمة في الفكر الإسلامي قديمًا وحديثًا، لكن معالجة مثل هذه الظواهر تتطلب إعادة النظر في مدى تقديرنا لآثارها وطرق تعاملنا معها في الواقع.

السعوديات وهيمنة الثقافة الغربية

من الملحوظات الهامة للباحثة حول تفاعل السعوديات مع الثقافة الغربية حديثها عن (خطاب التنمية الشخصية على النمط الغربي)، ممثلاً في: تحقيق الذات، النجاح الشخصي، الثقة بالنفس...، فقد لاحظت الباحثة أن ترجمات الكتب الأمريكية الأكثر مبيعًا في هذا الحقل تشهد إقبالاً كبيرًا من المستجوبات اللائي لا يُقمن حدودًا بين ما هو إسلامي وغير إسلامي، كما تذكر الباحثة التي تذكر أيضًا أن استثمار خطاب التنمية الشخصية (الغربي) –أو القوالب الغربية للتنمية الشخصية- في الفضاءات الدينية النسائية يمثل ازدواجًا في موقف الداعيات تجاه الثقافة الغربية في حقيقة الأمر، ويتمثل هذا الازدواج في أمرين:

الأول: تصفه الباحثة بــ(المزج الهجين) ويتبدى في الربط بين أفكار التنمية الشخصية والنصوص الشرعية، فترى الباحثة أن خطاب التنمية الشخصية وإن تمت أسلمته –أو تعبئة قوالبه الغربية بمضمون إسلامي- خطاب مؤسس على النزعة الفردية أو (الفردانية) التي ترى الباحثة أن الداعيات يقفن منها موقفًا مزدوجًا بإدانتهن الفردانية بوصفها مفهومًا غربيًا يؤدي لتفكيك الأسرة وذلك في سياق التنديد بما يصفنه بالمؤامرة النسوية الغربية على المرأة المسلمة المروجة لمفاهيم غربية من قبيل (تمكين المرأة) في الخطابات الليبرالية المطالبة بحقوق المرأة في السعودية.

الثاني: اختلاف موقف الداعيات تجاه النزعة الفردية في خطاب التنمية الشخصية بمقابل موقفهن تجاهها في الخطاب الليبرالي الحقوقي والذي يوصف من قِبل الملتزمين دينيًا (بحصان طروادة) وهذه الصورة المجازية تشير لتسريب الهيمنة الغربية للعالم الإسلامي عبر الخطاب الحقوقي، بينما لا يمثل خطاب التنمية الشخصية لدى الداعيات حصان طروادة في الهيمنة الغربية على العالم الإسلامي -بحسب الباحثة- التي تطرح ملحوظاتها حول آثار خطاب التنمية الشخصية ذي النزعة الفردية على السعوديات ومنها:

- شرعنة الأهداف الشخصية ومد الشابات السعوديات بوسائل حجاجية تمكنهن من التفاوض مع ذويهن بشأن العمل الوظيفي وإنشاء المشروعات الخاصة.

- نزع الشرعية عن المطالب الأشد شمولاً أو التحركات الجماعية التي تهدف إلى تحسين حقوق المرأة كالانتظام في حركات نسوية.

وترى الباحثة أن تبني خطاب التنمية الشخصية الذي تتبناه المستجوبات وتختلط فيه السجلات غالبًا كتحقيق الذات، وتنمية الشخصية الإسلامية، وعلم النفس، والتدريب المهني، هذا الخطاب تلتقي آثاره عرَضيًا –في نظر الباحثة-ببعض أهداف النسوية الليبرالية التي تحظى بقدر من الإجماع حولها، ومن دون أن تتبنى المستجوبات ذلك صراحةً، وذلك لسببين:

الأول: "تقدير المستجوبات للنشاط المهني باعتباره وسيلة للنجاح الفردي يمكن أن تكون له آثار مشابهة للتيار الفكري الذي يعتبر مسألة (العمل الوظيفي) عنصرًا جوهريًا في تحرير المرأة، على الرغم من أننا أمام حجتين مختلفتين جدًا: فالمستجوبات لا يتحدثن عن تحرير المرأة وهو مفهوم يتأسس على ملاحظة التفاوت بين الرجال والنساء والذي يعد أمرًا جائرًا، لكنهن يتحدثن عن التحرر الفردي، وهو مفهوم يتحدر من مقاربة نفسية اختزالية وعمياء تجاه أنماط اللا تكافؤ".

الثاني: " أن التنمية الشخصية تُشجع على جعل مشاعرنا ومشاكلنا موضوعًا للتحليل نشارك فيه الآخرين، وخاصة من خلال نصائح (شخصية) عبر الهاتف وعبر النت، كما تشجع على صياغة المشاكل الشخصية في قصة، وعلى نزعة فردية ذاتية تجنيها الشابات المدينيات ويقمن بإبرازها-وتستشهد الباحثة بمقتطفات المقابلات المذكورة في الكتاب-وبصرف النظر عن طابعها العام فإن المحاضرات تتطرق إلى موضوعات نادرًا ما يتم طرحها في مكان آخر، وتجعل المستجوبات يشعرن بأنهن معنيَّات بها بصورة جلية، وكل ذلك يسهم في عملية نشر المشاكل الخاصة، وفقدان الثقة في النفس، وصولاً إلى الصراعات الزوجية، وهو ما شكّل في سياقات أخرى أثرًا من آثار الحركات النسوية، ومع ذلك فإن الأهداف ليست هي نفسها ! ".

وفي رأيي الشخصي أن هذه الرؤية التحليلية حول خطاب التنمية الذاتية بحاجة لمزيد من البحث والتأمل لتطابق شيء من آثارها مع الواقع بجلاء.

السعوديات والنزعة الاستهلاكية

ما تناولته الباحثة في هذا الموضوع لا يقل أهمية -في تصوري- عما سبق ذكره في هيمنة الثقافة الغربية، وتصدر الباحثة الفصل الذي تتناول فيه أساليب التفاوض حول أشكال الأنوثة، بالعبارة الشعبية الدارجة "كل ما يعجبك والبس ما يعجب الناس" و بأثر " إن الله جميل يحب الجمال"، وتذكر الباحثة أن أساليب تقديم الذات لدى الشابات المدينيات الموصوفة سابقًا في حديثها عن الانتهاكات في اللباس ونحوه "تُخرب نمط الأنوثة المتأسس على الحياء"، من خلال اعتماد أشكال استهلاكية جديدة، وأشكال لباس جديدة، ورغم أن هذه الأشكال الاستهلاكية الجديدة من اللباس-برأي الباحثة- تضع الفتيات تحت سلطة مراقبة من نوع آخر تتمثل في المعايير المفروضة عالميًا، لكنها تمنحهن حريات جديدة بشكل من الأشكال، أي أن الفتيات "يقمن –بمعنى من المعاني- من خلال خرقهن للقواعد الإسلامية بفك أشكال من (تشكل الذات) بقصد صنع أشكال أخرى من الذات الأنثوية -تسميها الباحثة-(أنثويات استهلاكية) بصيغة الجمع لا المفرد"، وقد تدمج الفتيات السعوديات-برأي الباحثة- المعايير الاستهلاكية بمعايير أخرى تنتج عنها أشكال أخرى من الأنوثة الاستهلاكية، مشيرة للفتاة الملتزمة دينيًا بالعباءة على الرأس والنقاب، وهذا الحجاب الملتزم قد يخفي تحته لباس (موضة)، مما يشير لتأثير نموذج الأنوثة الاستهلاكية على تقديم الذات حتى بالنسبة للفتاة الملتزمة بالضوابط الشرعية للباس.

وتحت عنوان (مفاخر الأنوثة الاستهلاكية: مفاخر الذات في مواجهة نظرات الآخرين) تذكر الباحثة أن فتح فضاءات جديدة للنساء يجعلهن عرضة " لنظرات النساء الأخريات اللواتي يستطعن التقدير والحكم، ويمكن أن تحمل نظراتهن على أنها لوّامة أو معجبة، إن هذه النظرات هي ما يسبب التوافق مع معايير مجموعات الأقران، وتقليد الآخرين وبعض المحاكاة". وتوضح الباحثة كيف أن "أنماط الحياة التي يتم اعتمادها داخل الفضاءات التي تتقاسمها السعوديات تسهم في تشكيل التوقعات المعيارية التي تثقل كاهلهن"، وتشير الباحثة في موضع آخر من الكتاب أن نمط الأنوثة الاستهلاكية مهيمن والظهور بمظهر الميسور ماديًا في مجتمع الشابات يمثل المعيار، كما بينت كيف أدت هذه الأنماط المنتشرة في الوسط النسائي لإقصاء بعض النساء الخارجات عن النموذج المهيمن للأنوثة الاستهلاكية من ذوات الدخل المحدود ومن لا يستطعن مجاراة النموذج المهيمن أو لا يرغبن بذلك لسبب من الأسباب، وتورد الباحثة العبارة العامية لإحدى المستجوبات التي وصفت سلوك أولئك الشابات اللاتي لا يحتجن للعمل برأيها ولكنهن يقمن بذلك للخروج إلى السوق للتنزه وتغيير الهاتف المحمول وشراء ملابس فاخرة والسفر ويأتين للعمل من أجل التباهي بمظهرهن بقولها ( عشان يتكشخون علينا !)، كما تبين الباحثة كيف تحولت الفضاءات العامة للتسوق لأداة للتمييز الطبقي، وكيف تتفاعل السعوديات مع ذلك الأمر بالتنزه والالتقاء بالرفيقات في مجمعات كبرى وفارهة في حين يتسوقن من مجمعات أخرى أقل منها.

والحق أن ما ذكرته الباحثة من ملحوظات حول النزعة الاستهلاكية حري بالتأمل كما أن ما ذكرته حول ملازمة الاستهلاك للعمل الوظيفي أمر ملحوظ ومشاهد في أوساط العمل النسائية المستقلة، وكذا ما ذكرته حول تحول المهر إلى مناسبة استهلاكية تنفق فيه العروس كامل المهر في أسابيع معدودة، إضافة لما ذكرته الباحثة حول الاهتمام المبالغ فيه بالماركات العالمية إلى حد التسابق لاقتناء نسخ مقلدة من الماركة الأصلية، أو الاحتفاء بافتتاح فرع جديد لمتجر لا يوجد إلا في أحد عواصم الموضة في الرياض، رغم أن المحتفية به من المستجوبات لم تغادر الحدود السعودية على حد وصفها، وترى الباحثة أن هذه الممارسات تقترب مما يسمى بـ(الكوسموبوليتية التابعة) حيث يمكن للتابعين إعادة إنتاج العوالم التي تتجاوز الحدود الوطنية حتى عندما يكونون مقصيين من (العالمية) باعتبارها مشروعًا للنخب.

ورغم أن الباحثة ترى أن تفشي النزعة الاستهلاكية ليست قسرًا على المرأة السعودية، لكن هذه النزعة برأيها تتراكب على أعراف بعض المجموعات محيلة في ذلك على الدراسة الأنثروبولوجية لسلوى الخطيب حول النساء في هجرة الغطغط السعودية ورمزية المصوغات الذهبية للمرأة البدوية.

كما تورد الباحثة عدة ملحوظات في هذا الموضوع أعرضها تحت العناوين الثلاثة التالية:

1-3 التوظيف السياسي للنزعة الاستهلاكية

ترى الباحثة أن الترويج لأنماط الأنوثة الاستهلاكية بين الشابات السعوديات يعود لأسباب سياسية تتمثل في إقصاء النساء عن أماكن اتخاذ القرار، وهذه النظرة تلتقي مع رؤية الصحفي الأمريكي لورانس رايت، والواقع أن هذا التفسير مبالغ فيه وتظهر فيه النزعة التسيسية الغربية للظواهر الاجتماعية كما في غيرها.

ومن الملحوظات اللافتة للباحثة في حديثها عن التوظيف السياسي للنزعة الاستهلاكية والذي توزع على عدة مواضع من كتابها، ملحوظتها حول موقف غالبية السعوديات من الاختلاط حيث ترى الباحثة أن توفير هذه الفضاءات أو "الملاذات الآمنة للاستهلاك"، ومبدأ "عدم الاختلاط الذي يحد من قدرة السعوديات على الحركة، والذي هو أحد مطالب الحركات النسوية في سياقات-ثقافية- أخرى، هو أمرٌ مفروض على الفتيات الحضريات السعوديات، ولكنه كذلك (أمرٌ مرغوبٌ فيه من أغلبهن) ".

2-3 موقف الداعيات من النزعة الاستهلاكية

رغم أن الباحثة قدمت نقدًا مهمًا لخطاب الداعيات لكنه يجب أن يوضع بإزاء تصريحها السابق حول قلة اتصالها بالفضاءات الدينية، وقد فصَّلت الباحثة الحديث حول أسباب ذلك في مقدمة كتابها، ورغم أن الباحثة لم تشر لحضورها أو محاولة حضورها أيًا من المحاضرات والدورات التي تقدمها الداعيات الجماهيريات أو الأسماء الدعوية النسائية الشهيرة طيلة فترة وجودها في الرياض، ومراجعها التي أحالت عليها في هذا النقد لم تزد على أحد كتيبات داعية معروفة، ومحاضرة -لداعية لم تسمها الباحثة- حول الثقافة الاستهلاكية في جامعة الملك سعود، ومقابلة مع إحدى الكاتبات الصحويَّات على حد وصفها، ومقابلة مع إحدى الداعيات التي ذكرت الباحثة أنها تشهد انتشارًا متناميًا ووضعت لها اسمًا مستعارًا يحجب شهرتها المتنامية، ومع ذلك فقد ذكرت الباحثة في أكثر من موضع من كتابها أن "الداعيات ليس لهن خطاب مضاد بوضوح للنزعة الاستهلاكية"، وأن النقد للنزعة الاستهلاكية يصدر من الشابات السعوديات المستجوبات، "ولا يصدر النقد في الغالب من العلماء أو من الداعيات اللاتي لا يتوجه نقدهن إلى النزعة الاستهلاكية في ذاتها"، وأن النقد الموجه للثقافة الاستهلاكية إذا حدث وصدر فينطلق من الدفاع عما يفترض أنه خصوصية ثقافية، أو انتقاد ممارسات أخرى كتضييع الوقت في التبضع، وتذكر الباحثة أن نشاط المؤسسات الدعوية ممثلاً في الدورات التدريبية وأنشطة المراكز الصيفية والمجلات الفتاتية الإسلامية تروج لنمط الأنوثة الاستهلاكية لاجتذاب الفتيات من خلال دورات من مثل (تقنيات التجميل)، وترويج إحدى المجلات الفتاتية الإسلامية لعدة "قوائم نشر بمقابل، تقول إحداها (كوني الأجمل) وهو ما يسمح بتلقي نصائح يومية في التجميل عبر الرسائل القصيرة"، وتشير الباحثة للاختلاف بين خطاب الدعاة والداعيات في هذه المسألة، حيث تواجه الداعيات نموذج يخرج عن الأنوثة وهو (البويات-المسترجلات) وترى الباحثة أن نموذج الاسترجال تقدم فيه الذات المسترجلة بوصفها (موضة) وهذا النموذج المسترجل لا يخرج عن سلطة النزعة الاستهلاكية بل يخضع لها عبر لباس واكسسوارات وقصات شعر خاصة بالبويات، وأن مظهر البويات الذي يوصف أحيانا بكونه مجرد (ستايل) ولا ينطوي بالضرورة على أي شكل من أشكال الانحراف الجنسي، يمثل نموذجًا مضطربًا للأنوثة وملتبسًا بالموضة، مما يدفع الداعيات لمقاومة هذا النموذج بالترويج لنموذج الأنوثة الاستهلاكية عبر الأمثلة المذكورة طالما "أن إعادة تعريف الأنوثة تمر عبر الأشياء التي تُشترى من مراكز التسوق"، وتشرح الباحثة هذه النقطة في موضع آخر بقولها "إن الامتثال للنموذج المهيمن للأنوثة الاستهلاكية قد أصبح أمرًا أخلاقيًا تتلفظ به الداعيات، إن ضرورة الأنوثة تنتصر على واجب الحشمة في الفضاءات الأنثوية".

وتشير الباحثة للاختلاف بين خطاب الدعاة والداعيات في هذا الأمر بقولها:" يوجد في هذه النقطة فجوة بين الخطاب الإسلامي الذكوري الداعي إلى الحشمة وعدم لفت المرأة للأنظار في مستوى الملابس، وبين الخطاب الإسلامي الأنثوي الذي يدين الاسترجال ويقوم في مقابل ذلك بالترويج لأنوثة استهلاكية تلتحق بأوامر الماركات التجارية الكبرى في مجال التجميل والموضة".

3-3 التأثير العميق للنزعة الاستهلاكية

ترى الباحثة أن الترويج للأنماط الأنثوية الاستهلاكية والتغيرات الحادثة في الفضاءات العامة للنساء السعوديات ممثلة في الممارسات الانتهاكية ذات البعد الجماعي والمنتجة لأشكال جديدة من الذوات، تُبيّن كيف يمكن أن تُفتح مسارات جديدة للتغيير الاجتماعي (دون تعبئة)، وكيف أن "التغيّرات المهمة يمكن أن يتم الاشتراك في إنتاجها عبر أفعال عديدة ومفاوضات في مستويات مختلفة، من دون أن ينتج من هذه العملية صراعات ظاهرة"، وهكذا حدث التغيير لدى فئة كبيرة من الفتيات السعوديات اللاتي ينأين بأنفسهن عن التشبه بالليبراليات.

وأتفق إلى حد كبير مع الباحثة حول تأثيرات الاستهلاكية وعدم التصدي لها بالدرجة المطلوبة وسبق وأن تناولت جانبًا منها في مقالة بعنوان (المد الاستهلاكي والانحسار القيمي) وأصل المقالة دراسة لظاهرة الاستهلاك عند المرأة السعودية أجريتها على هامش دراستي لمقرر الأنثروبولوجيا في الماجستير في قسم الثقافة الإسلامية عام 1431هـ، ونشرت المقالة لاحقا على هذا الرابط:

http://malakaljohany.com/play.php?catsmktba=9.

أخيرًا.. وعلى فرض التسليم بكل ما ذكرته الباحثة حول الموقف من النزعة الاستهلاكية فلا شك في عدم موافقة الداعيات على آثارها المذكورة، ويبدو لي أن عدم وضوح الخطاب المضاد للنزعة الاستهلاكية يعود لـلتعامل مع مستوى غير مباشر من التحديات الثقافية بخلاف التحديات المباشرة والصريحة كالاتفاقيات الأممية المتعلقة بالمرأة، أي يرجع لــ(بنية) الظاهرة نفسها أو الطابع (المركب) للثقافة الاستهلاكية، ولاختلاف مجالات اشتغال الداعيات المتخصصات بالأساس في العلوم الشرعية التفصيلية، وعدم تشكُّل مسار نسائي إسلامي يُعنى بالكُليّات والدراسات الفكرية والحضارية ولا يقتصر بالضرورة على القضايا الساخنة أو التي تقع في الدائرة المباشرة لصراع التيارات حول قضايا المرأة، بل يسير بهدوء وثبات يشبه ثبات وهدوء المسار الذي يجري فيه تعليم العلم الشرعي بمختلف تفاصيله، وبمعزل عن صراع التيارات، ويمكن للمسار الفكري السابق الذي لا يُشترط أن ينخرط في المستوى النشِّط للخطاب النسائي أن يسهم في تغذية الخطاب الدعوي المؤسسي حول مثل هذه القضايا.

   طباعة 
2 صوت
 
 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
5 + 1 = أدخل الكود
 
 
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة

المواد المتشابهة المادة التالية
 
 
جديد المواد
جديد المواد
قراءة في كتاب سلطة الثقافة الغالبة - القراءات الفكريــــة
قراءة في كتاب فلسفة الزي الإسلامي - القراءات الفكريــــة
 
 
القائمة الرئيسية
 

البحث
البحث في
 

القائمة البريدية

أدخل بريدك الالكتروني لتصلك آخر اخبارنا
 

عدد الزوار
انت الزائر :39045
[يتصفح الموقع حالياً [ 3
الاعضاء :0الزوار :3
تفاصيل المتواجدون