الوجه الآخر للاختطاف !

عرض المادة
الوجه الآخر للاختطاف !
5039 زائر
20-06-2014
ملاك الجهني

الوجه الآخر للاختطاف !

ذكرت فاليري ساندرز أن ماري ولستونكروفت -إحدى أهم الرائدات في مجال النظرية النسوية- ألفت كتابًا بعنوان (دفاعٌ عن حقوق المرأة) تنتصر فيه لحقوق المرأة وتدعو فيه لتغيير أوضاعها للأفضل، فاستُقبل الكتاب بحماس لم يلبث أن تراجع مع صدور مذكرات زوج ماري عن حياته معها عام (1789م)، وبمجرد أن عرف القراء تفاصيل حياتها غير الأخلاقية رفضوا ما قالته في كتابها، وعزفوا عنه، وتوقفت طباعته لهذا السبب، ولم يطبع مرة أخرى إلا بعد خمسة وتسعين عامًا (1884م)!

ولا شك أن الاتساق بين الفكر والسلوك مجسدًا في انسجام الإنسان مع مبادئه وما يدعو إليه يرفع من مصداقيته ويؤكدها، وخلاف ذلك -وإن كان لا يهدم المبدأ ذاته-هو كما قال الرافعي: (أما إن الكلام أيسر ما أنت آخذه، وأهون ما أنت معطيه، ولن يكون قولك قولاً حتى يكون عليه من طبعك دليلٌ وشاهد، وإلا فإنما هو كلام بعضه كبعضه وحقه كباطله وشريفه كخسيسه).

وسؤال الاتساق هو ما شغلني وأنا أقرأ مقالاً بعنوان: هل ستتحمل وزارة التربية وحدها عبء إصلاح التعليم ؟

www.al-jazirah.com/2014/20140612/ar3.htm

وهو سؤال حركته الكاتبة فوزية البكر في مقالها المنشور في صحيفة الجزيرة بتاريخ (12/6/2014م)، وصدرته بامتداح تصريح معالي الوزير حول التعليم الموصوف بالمختطف، وهذا التصريح (الخطير) كما وصفته الأستاذة لا يقوى عليه إلا من يتصدى لهذه المهمة التي عجز عنها (أقوى الرجال) وسيتصدى لها الوزير (الشجاع) ويواجه من خلالها التعليم (المسلوب، والمختطف أيديولوجيًا، والمغتصب)، ودعت الأستاذة لوقفة جماعية لمواجهة (محنة) التعليم، وتتمثل هذه المواجهة الجماعية -كما قالت- بأن "نقف ونصرخ بملء حناجرنا حتى نستعيد أبناءنا الذين هجروا (أوكارهم) الحميمة ليحتموا بــ(أعشاش) الشياطين، التي ابتاعت لها أوكارًا داخل كليات المعلمين، ومن ثم إلى فصول أبنائنا عبر معلمين (مدجَّنين) ومناهج باهتة، وأنشطة مؤدلجة قذفت بأبنائنا وأسرنا نحو فوهة الجحيم"، ثم أخذت الأستاذة فوزية تتحدث عن تجربتها الخاصة مع التعليم حيث كانت لا تترك أحدًا إلا وتسأله أن يرشدها لمدرسة تنقل إليها أبناءها، إذ توجب عليها باعتبارها (أُمّا) أن تلعب كل الأدوار الممكنة لحماية أبنائها من (وهج الألغام) التي كانت تترصدهم في (كل) مدرسة انتقلوا إليها، وواصلت الأستاذة تحكي لقرائها عن الأعشاش الخطرة، لكنها أخذت تحدثهم هذه المرة عن أعشاش أخرى إضافة لأعشاش الشياطين التي ذكَرَت، حيث صرفت هي وزوجها رواتبهم بحثًا "عن ملاذ أمين –لأبنائها- من (أعشاش الدبابير) التي كانت تتوهج هي الأخرى عبر بوابات (مخيفة)"، وتلخص الأستاذة (بعض) تلك البوابات المخيفة -لا كلها- في أربع بوابات: "بوابة التطرف الديني، وبوابة المخدرات، وبوابة التنمر أو الاستئساد، وبوابة الاستغلال الجنسي"، ثم أشارت الأستاذة لبعض سوءات التعليم التي لم تتكرم بكشفها كــ"المركزية المريعة، والترهل الإداري، وغياب الرؤية والنموذج المتميز لمدارس ناجحة".

وفي أواخر المقال أشارت الأستاذة -مبدية استغرابها- لوجود عدد لا بأس به من المدارس الممتازة، من النماذج العالمية، بعضها كانت تديره شركة أرامكو، وبعضها تشرف عليه وزارات البلدان التي أنشأتها لأهداف (غير ربحية) كالمدرسة الأمريكية، وختمت الأستاذة متساءلة "لماذا لا نحاول الاستعانة بهذه النماذج القريبة جدًا، مع سعودة ما نحتاجه للحفاظ على هوية هذه الأمة ولغتها".

ويقف القارئ حائرًا أمام نص الأستاذة الذي تنقَّل وكاتبته عبر مستويات وأدوار مختلفة، فمن مادحة، لقاضِية، لمُسعِّرة حرب، لقاصّة، لواعظة وطنية جردت التعليم الوطني من كل مزية... نصٌ لا يخفى فيه التخبط والخلط على مستوى اللغة، والموضوع، ومنهجية التفكير.

ولن أقف طويلاً أمام ما زعمته الأستاذة التي يبدو أنها كانت (قيصرية أكثر من قيصر) وادعت مالم يدعه الوزير نفسه من غياب الرؤية والفلسفة والاستراتيجية لوزارة التعليم منذ ربع قرن!

ولن أمتدح واقع التعليم قطعًا، كما لن أدعي خلو الواقع التعليمي من المشكلات وحاجته للإصلاح، لكنني لن ألعن ماضي التعليم، وأنفي مناقبه قاطبة، كما لن أُذكّر الأستاذة بأسسه التي قام عليها، ولن أقف مع خلط الأستاذة للملفات، بل لن أطلب منها حتى توضيحًا بلاغيًا حول حميمية الأوكار- إذ لا أدري صدقًا منذ متى كانت الأوكار حميمة- وأتساءل فقط كيف لمن تدعو للنهضة بالتعليم أن تتجرد من أهم ما يقتضيه العلم !

وكيف لمن تمارس التدريس تحت مظلة وزارة التعليم العالي أن تفتقر للمبادئ الأولية التي لا يجهلها طلاب وطالبات المستويات الأولى في الجامعات ممن درسوا (مناهج البحث العلمي) وأخلاقياته التي يفترض أن تنعكس على المتعلم في ذاته و(خطابه) !

وكيف لأستاذة جامعية يفترض أن قد عركها البحث العلمي أن تُعمم بلا برهان، وأن تتحدث نيابة على الجميع بلا تفويض، وأن تطلق الأحكام هكذا بلا زمام ولا خطام!

أفلم تكتب الأستاذة بلُغة الواثقة (أننا كلنا دون استثناء) نشتكي من التعليم (المسلوب)، وأن (الاختطاف الأيديولوجي) للتعليم (أمرٌ صحيح مائة بالمائة)؟! ولا أدري من أين لها هذه النسبة المحددة بدقة بين قوسين، وربما تكون قد استلهمتها من وحي تصريح صاحب المعالي!

وليت الأستاذة اقتبست شيئًا من خلق الشجاعة التي تحتفي بها وتمتدحها فكشفت لنا الحقائق بصراحة لايشوبها غموض، بل ليتها بيَّنت لنا -وهي المهمومة بالتعليم- بلغة الأرقام والنِّسَب المحددة أيضًا حقيقة أعشاش الشياطين التي يهجر أبناؤنا أوكارهم الحميمة للاحتماء بها والتي ابتاعت لها أوكارًا في كليات المعلمين، أو ليتها بيَّنت لنا على الأقل حجم وجود أولئك المعلمين (المدجنين) الذين يجب علينا جميعًا أن نقف ونصرخ بملء حناجرنا حتى نستعيد أبناءنا منهم!

وصحيح أن الأستاذة ذكرت عدة بوابات مخيفة لكن المتصل منها بالجانب (المعرفي) واحدة فقط، هي ما سمتها ببوابة التطرف الديني، أما بقية البوابات المخيفة فتنتشر بين الطلاب أنفسهم وتتصل بالأخلاق بالدرجة الأولى لا بالمعلمين (المدجنين) والمشغولين بالأنشطة (المؤدلجة)!

أي أن البوابة المعرفية الرئيسة والوحيدة التي تؤثر تأثيرًا مباشرًا على أبنائنا هي بوابة التطرف الديني المتفشي إلى حد يتطلب معه استنفارنا وحشدنا كافة لمواجهته !

أيُّ حكم هذا، وأيَّة دراسات بل دراسة علمية واحدة على الأقل استندت لها الأستاذة أو نقلت عنها !

أم هي التجربة الشخصية، أم أحاديث الرفيقات، أم مشاعرها وانطباعاتها الذاتية تلك التي سوغت لها توصيف الحاضر والماضي كليهما بهذه الطريقة !

ألا تتضمن مثل هذه الكتابات الدورية المقدمة للقراء نماذج إرشادية تطبيقية للتفكير وبناء المواقف حيال القضايا الوطنية الكبرى فضلاً عن الصغرى !

يصعب حقيقةً أن نفهم هذا الخطاب المرتبك لغويًا وموضوعيًا ومنهجيًا، ولو عملنا بمنطق الأستاذة، وعمَّمنا تجاربنا وانطباعاتنا الذاتية وأحكامنا الجزئية لأعلنّا الاستنفار ودعونا بالمثل لتطهير التعليم العالي من أساتذة يتسنمون منابر التعليم والإعلام، ولا يتسقون مع أنفسهم، ولا يحترمون عقول قرائهم، ولا يلتزمون بأدنى معايير الموضوعية.

   طباعة 
10 صوت
 
 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
3 + 2 = أدخل الكود
 
 
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة

المواد المتشابهة المادة التالية
 
 
جديد المواد
جديد المواد
بين حملة إسقاط الولاية وتقرير وزارة العمل - المقـــــــــــــــــالات
من حياد الأرصفة إلى معمعة الأسفلت ! - المقـــــــــــــــــالات
 
 
القائمة الرئيسية
 

البحث
البحث في
 

القائمة البريدية

أدخل بريدك الالكتروني لتصلك آخر اخبارنا
 

عدد الزوار
انت الزائر :41096
[يتصفح الموقع حالياً [ 3
الاعضاء :0الزوار :3
تفاصيل المتواجدون