نقد خطاب المرأة في مقاربات الإسلاميين

عرض المادة
نقد خطاب المرأة في مقاربات الإسلاميين
2415 زائر
11-03-2014
ملاك الجهني

نقد خطاب المرأة في مقاربات الإسلاميين

طالما كان النقد المتصل بالمرأة والصادر عن الإسلاميين موجهًا للممارسات الاجتماعية المجحفة بحق المرأة، كما وجه الإسلاميون نقدهم للخطابات الناقدة للخطاب الإسلامي، سواء أتضمنت نقدًا صادرًا من خارج دائرة الإسلامية كأطروحات التيار العلماني أو الليبرالي، أو نقدًا صادرًا من داخل دائرة الخلاف الإسلامي كالنقد الموجه من قبل المدرسة التوفيقية، أو العصرانية الداعية لتصحيح أوضاع المرأة تحت المظلة الكبرى للإسلام، ومن منظور تجديدي تأويلي في غالبه، ولم يُلحظ ظهور مقاربات نقدية ذاتية تتناول الخطاب الشرعي بالفحص والتحليل فقهيًا كان أم أو وعظيًا.

ومع الحراك الفكري الملحوظ في مشهدنا السعودي اصطبغ النقد الموجه للخطاب الشرعي بادئ الأمر بصبغة تنويرية تتعالى غالبًا على استيعاب المتغيرات الإيجابية في خطاب المرأة وغيرها، وتبتعد عن المقاربة النظرية الجادة، وتتكئ في معظم الأحيان على نظرة مسبقة تستبقيها، وتفضل الجمود عليها بوصفها علامة فارقة دالة على تميز واختلاف خطاب التيار التنويري عن الخطاب السلفي المحافظ.

وفي العامين الأخيرين شهدت الساحة الإسلامية ظهور أصوات ناقدة لخطاب المرأة من داخل التيار السلفي نفسه، تمثلت في نموذجين:

الأول: يغلب عليه الحياد وتتفاوت فيه درجة النقد، وتمثل هذا النموذج في كتاب الدكتور عبد الله السفياني (حجاب الرؤية: قراءة في المؤثرات الخفية على الخطاب الفقهي) وكتابه (الخطاب الوعظي دراسة استطلاعية) وكلا الكتابين لم يمحَّضا لنقد الخطاب الموجه للمرأة، بل تناولاه ضمنًا أي داخل الموضوعات الكبرى للكتابين.

أما النموذج الآخر: فيميل للاتهام، وتمثل هذا النموذج في كتاب (ثقافة التحريم : قراءة في فتاوى وآراء التحريم) لعبد الله العتيق، والكتاب لم يمحَّض بالمثل لنقد الخطاب الموجه للمرأة، بل تناول فتاوى المرأة بوصفها نموذجًا من نماذج ثقافة التحريم أو مُخرجًا من مخرجاتها.

وفي السطور القادمة محاولة للوقوف على المقاربتين عرضًا وتحليلاً ونقدًا:

حجاب الرؤية والمقاربة الحذرة:

صدّر السفياني حديثه عن المرأة في الصفحات الخمس من كتابه، والمدرجة تحت عنوان: (المرأة بين الفتوى والعادة) صدّرها بالإشارة لحساسية موضوع المرأة، وبيّن سبب تلك الحساسية المجتمعية والتي تفرض على من يحاول مقاربة قضايا المرأة نوعًا من الاحتراس لما قد "يجره الحديث عن المرأة من محاذير شرعية واجتماعية"، ويعود ذلك برأي السفياني " إلى دخول المرأة ضمن قيم من أشد القيم اعتناء عند العرب والمسلمين، هي العرض والشرف والغيرة".

ولعل أبرز ما ذكره السفياني في تلك الصفحات هو تأثير العادات والنظرة الاجتماعية للمرأة في خطاب الفقيه، مستشهدًا بمقتطفات من أقوال القرطبي والغزالي رحمهما الله، ومبيّنًا في الوقت نفسه أمرين:

- استناد تلك المقولات أو انبثاقها عن صورة نمطية للمرأة تشكلت عبر الزمن نتيجة عملية تراكمية في الذاكرة الجمعية.

- عدم تأثير تلك الصورة في حركة الفقيه الفكرية أو اجتهاده بصورة مباشرة، يتضح هذا في تعليق السفياني على كلام ذكره الغزالي في المرأة بقوله: "ورغم هذا الموقف الحاد من الغزالي إلا أنه لم يُسقط العدل في التعامل مع المرأة".

وختم السفياني حديثه في هذا الموضوع بأن الشواهد القليلة التي ساقها والتي تمثل أنساقا مضمرة تكرست عبر الزمن " دليلٌ على أن العادة تعمل في الخفاء وتؤثر في الخطاب الفقهي".

الخطاب الوعظي والمكاشفة الصريحة:

في كتابه الصادر حديثًا تحت عنوان: (الخطاب الوعظي: مراجعة نقدية لأساليب الخطاب ومضامينه -دراسة استطلاعية) أفرد السفياني كذلك مساحة للحديث عن (المرأة في سياق الوعظ) استغرقت تسع صفحات من الكتاب.

وبخلاف المقاربة الحذرة للمرأة في الخطاب الفقهي ذكر السفياني صراحة في كتابه الحديث الصدور والأضخم حجمًا من سابقه: أن "الخطاب الشرعي الموجه للمرأة بصفة عامة بحاجة إلى مراجعة شرعية جادة قائمة على العلم والتحليل، تكشف عما علق به من شوائب اختلط فيها الشرعي بالقبلي وبالعادات بأنواعها، سواء عادات قائمة على التشدد والاحتياط، أو عادات قائمة على التساهل والانفتاح".

يعود التأكيد على أهمية الاهتمام بالخطاب الوعظي المتصل بالمرأة في نظر السفياني لتأثر المرأة بالوعظ بصفة خاصة، ومرد ذلك هو قيام الرسالة الوعظية على الوجدانيات والعاطفة، وسرعة استقبال المرأة لتلك الرسالة نظرًا لتفوق المرأة في النواحي العاطفية والوجدانية.

كشف السفياني في الصفحات المهتمة بالمرأة في سياق الوعظ المواضع السلبية في الخطاب الوعظي المتصل بالمرأة ومنها:

- سوء توظيف مفهوم (المرأة الفتنة) في الخطاب الوعظي بما يظهر المرأة في صورة " المتهم والمدان"، إضافة لوصف المرأة بالمكر والخديعة وتدعيم هذه الأوصاف "بالرافد القبلي وليس الشرعي، وهذا وغيره يشعر المرأة بالدونية خاصة مع كثرة الترداد والتكرار".

- طرد مفهوم النقصان الوارد في الحديث الشريف وإطلاقه في شتى المجالات رغم، " أن النقص الوارد فسرته السُنّة بما يحِد من تمادي الأهواء والانفعالات في تهويله والمبالغة فيه".

- توظيف مفهوم القوامة في استثارة غيرة الرجل وتحريضه ضد أهله.

- استخدام صور مجازية تكرس السلبية والنفعية تجاه المرأة.

- المبالغة في الخطاب التحذيري للمرأة، ومنها.

- التشكيك في الطرح المتعلق بالمرأة، والانحياز بالتالي ضد قضاياها.

- المبالغة في الموقف من المرأة الواقعة في مخالفات شرعية إلى حد الاستطالة على عرضها.

- التضييق على المرأة في مسائل خلافية وتصوير المرأة الآخذة بالقول الآخر بأوصاف غير لائقة.

- استجلاب النكتة بما تتضمنه من الاستهزاء والانتقاص اللذين يحطاّن من شأن المرأة.

ولعل اللفتة الأهم في مقاربة السفياني والتي يتجلى فيها أثر تخصصه النقدي في تحليل الخطاب هي الإشارة لدور (الصور المجازية السلبية) في التعامل مع المرأة، فالإشكالية بنظره: " أن المجازات التي تستخدم في التعامل مع المرأة مع كثرة التداول والانتقال والتكرار والعدوى الثقافية تتحول إلى قوة وسلطة لها هيمنتها، وتعمل تلقائيًا على برمجة المجتمع، وهذا ديدن المجازات الجمعية وخطورتها".

ثقافة التحريم والمماسة اللاَّهبة:

القارئ لكتاب عبد الله العتيق ثقافة التحريم يلحظ تشابهًا إن لم يكن توافقًا في الفكرة القائلة بوجود عوامل أخرى تؤثر في الخطاب الفقهي، فما ذكره السفياني في (حجاب الرؤية) من الحجب المؤثرة في ذلك الخطاب وتأثيرها في صياغة موقفه من قضايا المرأة نجده عند العتيق في الصفحات المخصصة للمرأة في كتابه والمدرجة تحت عنوان: (تحريم بعض قضايا النساء)، مع توسع وتفصيل استغرق سبعًا وعشرين صفحة من الكتاب، خصصها العتيق لتتبع الفتاوى والآراء المنسوبة إلى ما أطلق عليه (مدرسة التحريم).

وقد ذكر العتيق في مقدمة الصفحات الخاصة بالمرأة أن المتتبع لما ورد عن تلك المدرسة من فتاوى التحريم سيجد " أن أكثرها متعلقٌ بالنساء، وأيضًا سيجد أن أكثر ذلك يسلك مسلك التحريم لأشياء مباحة من حيث الأصل".

ويرى العتيق أن المسائل المحرمة بحاجة " إلى تحرير من عالم فقيه يدرك الفقه، لا ينقله" وسبب ذلك برأيه أن غالب تلك المسائل المحرمة مالم يكن كلها "لم يقم عليه دليل مانع أو محرِّم" كما أن "ما يُذكر من الأدلة لا يسلم من تعقيب ومناقشة".

كما يرى العتيق وجود أسباب غير شرعية أدت للقول بالتحريم، ذلك أن اللغة المستخدمة في الفتوى لغة غير علمية بل وعظية، والفتوى بحسب قوله :" علمٌ لا وعظ"، ومن الأسباب غير الشرعية التي دفعت الفقيه للقول بالتحريم في المسألة " الموقف الذكوري"، وعدم رغبة المفتين بالتحريم في قضايا المرأة بأن "تشاركهم المرأة في بعض ذلك"، ويعزز العتيق تفسيره النفسي بعدة أمور منها:

- عدم خفاء الخلافيات الفقهية في المسألة المحرمة على القائل بحرمتها.

- عدم خفاء الأصول العامة للأحكام الشرعية المتعلقة بالاستدلالات الخاصة بقضايا المرأة.

وبناء على هاتين المقدمتين يظهر للعتيق" أن الدافع لتحريم أكثر المباح على النساء بلا أدلة مقنعة إنما هو دافعٌ نفسي، وهذا الاحتمال النفسي له وجهٌ سليم إذا لم يكن في الشرع ما يؤيد منهجهم ورأيهم".

يتعقب العتيق بعد هذا المدخل للقضايا النسائية المحرمة عددًا من الفتاوى القائلة بالتحريم ويناقش أصولها وأدلتها الشرعية، ومن تلك الفتاوى ما يتصل بلباس المرأة، وزينتها، والحجاب، والرياضة، وقيادة السيارة، وعمل المرأة، والأسماء النسائية.

تحليل و موازنة:

المتأمل في المقاربات الثلاث الماضية يلحظ تدرجًا في مستويات الطرح من حيث اللغة، والأسلوب، ومسافات التوغل النقدي في الخطاب الشرعي المتعلق بالمرأة (وعظيُّه وفقهيُّه)، ويرجع ذلك في تصورنا لحساسية الموضوع الذي طرقه السفياني في حجاب الرؤية من جهتين إذ يتصل موضوعه بالفقهاء وما لهم من مكانة تسنموها بخدمة العلم من جهة، كما يتصل بالمرأة والحمولة الرمزية الاجتماعية لقضاياها من جهة أخرى.

في حين نلحظ توسعًا ونقدًا صريحًا للخطاب الوعظي في كتاب السفياني الآخر، لأسباب تعود برأينا لاختلاف الشريحة المستهدفة بالنقد، فالوعظ ينهض به الفقيه وغير الفقيه، ولذا كان مظنة وقوع عدد من التطبيقات والأساليب الخاطئة بل والمسيئة إلى الإسلام، وبعض الوعاظ يكثف من تأثير الرسالة الوعظية بالمبالغة إلى حد قد يصل فعلا إلى الإساءة للإسلام نفسه، مما حمل العلماء على التنبيه على مزالق الوعاظ والتحذير منها قديمًا وحديثًا، وما أُسند للقصاص في مطلع التاريخ الإسلامي من استخدم القصص والأحاديث الموضوعة والمكذوبة بقصد ترقيق القلوب والإقبال بها على الله كفيل بتوضيح الفرق بين الخطابين الفقهي والوعظي.

ويضاف لما سبق ذكره أمران أتاحا للسفياني التوسع في النقد وهما: استناد قراءته لدراسة استطلاعية مما يخفف من أثر الذاتية في القراءة ويطبعها بطابع موضوعي إلى حد كبير، وإجراء هذه الدراسة بمشاركة من رموز دعوية شهيرة مما يضفي بعدًا مهمًا يتمثل في النقد الداخلي من صناع الخطاب وخبراؤه، وهنا تنخفض درجة الحساسية ويصبح المجال متاحًا للنقد الصريح، واستعراض عدد أكبر من الملحوظات على الخطاب وصنّاعه.

ويبقى أن كتابي السفياني غلبت عليهما السمة الموضوعية وعدم تجاوز أخلاقيات النقد، وإن سيقت ملحوظاته على الخطاب الوعظي في جانب السلب فقط، دون الملحوظات الإيجابية، ومهما تكن مبررات حصر الملحوظات في جانب السلب بدعوى طبيعة الدراسة أو بهدف النقد والتجاوز إلا أن للملحوظات الإيجابية دورها في القراءة والبناء المتزن، كما يتجلى دورها في عدم شحن نفسية القارئ ضد الخطاب الوعظي، ولا يعني هذا اختراع مالا وجود له من الإيجابيات بهدف ضخ التعاطف مع صنّاع الخطاب الوعظي بل إبراز الموجود فعلاً وبحجمه وصفته الحقيقية، فالصفحات التي اتسعت للسلبيات والنقائص يفترض ألا تضيق عن الإيجابيات والمزايا، وإذا كان الهدف من ذكر السلبيات يقف عند حد نفيها وتلافيها، فذكر الإيجابيات يعزز وجودها ويضاعف ثمرتها.

وينبغي التنبيه هنا إلى أن الطرح المتضمن للجانبين الإيجابي والسلبي في الخطاب الوعظي لا ينطبق على ما ورد في كتاب السفياني الأسبق (حجاب الرؤية) لاختلاف الموضوع المحدود في الحجُب دون سواها، بخلاف ما لو كان حديث السفياني أو قراءته في كتابه مسلطة على الخطاب الفقهي بصفة عامة.

أما ثقافة التحريم -وبصرف النظر عن الاتفاق مع صاحبها في تعقباته وآرائه -فمقاربة كانت ستكون على درجة عالية من الموضوعية وتجسد نموذجًا متميزًا لنقد الخطاب الفقهي نقدًا ذاتيًا لصدورها عن دارسٍ للفقه متخصص فيه، لولا لغة الاتهام والتجهيل والتحيز الذكوري التي وصَم بها المؤلف أرباب فتاوى التحريم إجمالاً دون إعذار، ولا تلطفٍ في القول أو حياديته على الأقل، على أن بعض فتاوى التحريم التي مثّل بها العتيق تنسب لأعضاء هيئة كبار العلماء مما يجعل تهمًا كالجهل، والفقه المنقول لا المدرك، تهمًا على درجة من القبح والشناعة بما لا يليق بمقام النقد القائم بالقسط، ويناقض فيه المؤلف نفسه حين ذكر على غلاف كتابه بأن هذا الكتاب " مناقشٌ بأدب العلم"، فأظهر مقتضيات أدب العلم أن تنقد القول وتبيّن خطأه بتوهين أو غيره مع إعذار القائل وعدم الخوض في خبايا نفسه !

والعجيب أن محاولة العتيق في تتبع وكشف الأسباب المؤدية للقول بالتحريم سارت في مسار منطقي معقول عبر صفحات الكتاب لكنها انحرفت عن مسارها بمجرد دخولها إلى المنطقة الخاصة بفتاوى المرأة لتضيف لقائمة الأسباب الشرعية أسبابًا غير شرعية بلُغة وأدوات تحليلية نسوية غربية وعلى رأسها الهيمنة الذكورية والتي لم يخف العتيق رجوعه للمنظر الأكبر فيها بيار بورديو!

والفرق بين الدافع النفسي عند السفياني والدافع النفسي عند العتيق أن السفياني أبقاه في حيز الخفي والمضمر ولم يسبغ عليه صفة الوعي والظهور، بينما يبدو من كلام العتيق انطلاق الفقيه من منطلق ذكوري يعيه الفقيه ويصر عليه رغم جلاء الخلاف والأصول الشرعية وعدم خفائها عليه.

المرأة في الخطاب الشرعي بين الإصلاح والمدافعة

المتتبع لقضايا المرأة في الخطاب الشرعي يجدها تتوزع على مستويين: مستوى التصورات المؤثرة في صنع المفاهيم، ومستوى التطبيقات أو الأحكام الشرعية العملية.

فقد يذكر الفقيه أو المفسر -على المستوى الأول- تصوراته عن طبيعة المرأة وأخلاقها في بعض المواضع الخاصة بها، ويطلق أحكامًا قيميّة تعم جنس النساء بمستند شرعي ودون مستند شرعي، فمثلاً حين يتحدث الفقيه أو المفسر عن الطبيعة الرقيقة للمرأة مستدلاً بحديث " رفقًا بالقوارير" فهو يستند بلا شك للشرع، لكن حيث يطلق الفقيه أو المفسر أحكامًا من قبيل "والغالب عليهن المكر" فهنا يُطرح سؤال المرجعية بإلحاح، ما مرجع تلك الأحكام القيمية التعميمية أو التغليبية ؟

أهو الخبرة الشخصية، أم الواقع الاجتماعي في زمن الفقيه؟ أم الثقافة الدخيلة ؟

فالغزالي -رحمه الله- مثلاً والذي أشار ابن تيمية -رحمه الله- لتأثره بالفلاسفة، لا يبعُد أن تكون رؤيته للمرأة قد تأثرت هي كذلك بالفلاسفة، والذين عرف عنهم تصنيف المرأة بوصفها كائنًا أدنى في مرتبة الإنسانية من الرجل.

أما على مستوى الأحكام الشرعية العملية فمن خلال عمل استقصائي (شخصي) لآراء بعض من جمع بين الفقه والتفسير من علمائنا والذين قرر بعضهم شيئًا من تلك التصورات في كتبهم لم نجد تأثيرًا مطلقا لأثر تصورات الفقيه أو المفسر في الأحكام المتعلقة بالمرأة كما ذكر السفياني بل بلغت اجتهاداتهم وأحكامهم درجة من العدل يمكن أن يصنف معها بعض تلك الأحكام من قبيل (التمييز الإيجابي للمرأة) بالمصطلح الغربي.

ويعود عدم تأثير تصورات الفقيه أو المفسر بأحكامه لسببين: سبب إيماني بالدرجة الأولى فالفقيه يتعبد الله باجتهاده وحركته الفكرية ولا مجال هنا غالبًا للميول والأهواء الصريحة.

وسبب منهجي بالدرجة الثانية ويتعلق بمحورية الدليل في استنباط الأحكام وحيادية مناهج الاستدلال.

ويبقى مؤثران: الهوى الخفي أو حجاب العادة كما ذكره السفياني، والتوسع في إعمال بعض القواعد الأصولية في قضايا المرأة كقاعدة سد الذرائع، فأما الهوى الخفي أو حجاب العادة فلا يطعن في مقاصد الفقهاء وإنما يُقوّم بالرجوع للدليل والتحاكم إليه، مادمنا نسلم ببشرية المجتهد وعدم عصمته.

وأما التوسع في إعمال بعض القواعد الأصولية في قضايا المرأة، فالشواهد تدل على عدم تخصيص قضايا المرأة وإفرادها في إعمال قاعدة بعينها، بل الواقع هو إعمالها في قضايا المرأة وغيرها من القضايا الحادثة مع تفاوت في النسبة.

ثم وهو السؤال الأهم في نظري: ما نسبة الأحكام المتأثرة بالهوى الخفي أو العادة أو حتى المبالغة في التحوط والمنع عموما والمتعلقة بقضايا المرأة بخاصة في المجموع أو المنتج الفقهي المتراكم عبر قروننا الإسلامية ؟

الدراسات الموضوعية والمنصفة لجوانب من فكرنا الإسلامي من قبل باحثين مسلمين وغير مسلمين تشهد بغلبة العدل والإنصاف تجاه المرأة، وعلى القائل بخلاف ذلك الإتيان بدراسات مسحية لا بدراسات تتمخض عن نتائج جزئية يجري توسيعها وإعطائها طابعًا تعميميًا !

أخيرا .. إن من أهم ما تتفتق عنه المقاربات النقدية لتعاطي الخطابين الفقهي والوعظي مع المرأة هو أهمية المراجعة العلمية المتأنية لذلك الخطاب، وتأصيل بعض الجوانب المتعلقة بالمرأة، ومن أهمها مبحث أخلاق المرأة، لئلا يترك للتقديرات والخبرات الشخصية، ووحي الثقافة المجتمعية المحكومة بالنسبية التاريخية، أو الثقافة الدخيلة مهمة صنع التصورات والمفاهيم، والتي تطرح بالمثل سؤال الاتساق بين تكريم الإسلام للمرأة وانتقاص صناع الخطاب الإسلامي للمرأة سواء أكانوا شراحًا للنصوص أم وعاظًا .

فبغض النظر عن الخلفية الفكرية لناقدي الخطاب الإسلامي والتي تلعب دورًا في إطار معرفة الدوافع المحركة لا غير، وبعيدًا عن فلان الذي شهد فكره تحولاً على مستوى اللغة والمصطلح والمضامين بعد أن كان تراثيًا قُحّا، أو فلان الذي يُحكى أنه اقتص بضعة سنتيميترات من لحيته، يفترض أن تطرح الانتقادات على طاولة البحث الجاد، وتفحص فحصًا يجردها مما ذكر من أوصاف غير وظيفية أو غير مؤثرة في (القول) نفسه من حيث صحته أو بطلانه، هذا إذا كنا نمتلك فعلا رغبة حقيقية في الإصلاح، ومهمومين حقًا به بقدر ما نحن مهمومون بمدافعة الباطل والمكر الخارجي، وننطلق من عدم تقديس الأشخاص ونستصحب ثقافة الإعذار بل والإجلال والتقدير لمن بذلوا أوقاتهم أو أفنوا أعمارهم في خدمة العلم وتفقيه الناس وتوعيتهم.

   طباعة 
1 صوت
 
 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
5 + 5 = أدخل الكود
 
 
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة

المواد المتشابهة المادة التالية
 
 
جديد المواد
جديد المواد
بين حملة إسقاط الولاية وتقرير وزارة العمل - المقـــــــــــــــــالات
من حياد الأرصفة إلى معمعة الأسفلت ! - المقـــــــــــــــــالات
 
 
القائمة الرئيسية
 

البحث
البحث في
 

القائمة البريدية

أدخل بريدك الالكتروني لتصلك آخر اخبارنا
 

عدد الزوار
انت الزائر :43311
[يتصفح الموقع حالياً [ 3
الاعضاء :0الزوار :3
تفاصيل المتواجدون