قراءة في كتاب مالك بن نبي حياته وفكره

عرض المادة
قراءة في كتاب مالك بن نبي حياته وفكره
2768 زائر
23-05-2013
ملاك الجهني

كنت قد كتبت قبل (خمس سنوات) تقريبا صفحات حول كتاب: (مالك بن نبي- حياته وفكره) للدكتور عبدالله العويسي، وتعد دراسة الدكتور من أوائل ماكتب حول فكر مالك بن نبي في العالم العربي، وأصل الكتاب رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام 1406هـ ، وقد أعيدت طباعته من قبل الشبكة العربية للأبحاث والنشر هذا العام وكان ضمن معروضاتها في معرض الكتاب الأخير في الرياض، والواقع أنني لم أقتن الطبعة الجديدة من الكتاب وقراءتي تعتمد على الطبعة الأولى، وسطوري هذه –ما بين عرض ونقد- نشرت في منتدى الدكتور عبدالله -ذلك الحين- في عدة صفحات لن أوردها كلها، بل سأكتفي بأهمها والذي توزع على المحورين التاليين:

(1) رأي الدكتورعبدالله العويسي في معالجة مالك بن نبي لمشكلة الحضارة



يرى الدكتور عبدالله أن المنهج الذي سلكه مالك في تناول مشكلة الحضارة في نطاقيها: النطاق المرتبط بمجتمع معين ، والنطاق العام للبشرية كلها، لا يفي بمعالجة تلك المشكلة، ولابد من اعتماد المنهج الإسلامي في تناول الوقائع، بمافي ذلك واقعة الحضارة، فتناول الواقعة في المنهج الإسلامي سواء أكانت واقعة كونية أو اجتماعية إنما يتم على أساس كونها ( آية ) لله عز وجل:(سنريهم آيتنا في الآفاق وفي أنفسهم ) وهذا المنهج – في رأي الدكتور- يقتضي تأملها من زاويتين :

الأولى: زاوية عالم الغيب، لإدراك صلتها بالله عز وجل في ابتدائها وغايتها.
الثانية: زاوية عالم الشهادة ، لإدراك سنة الله عز وجل فيها، وتطابقها مع المنهاج الحق) القرآن) في أمور المعاد والمعاش: ( حتى يتبين لهم أنه الحق).

فاكتشاف القانون موجهٌ أبداً بتحقيق الغاية: ( قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين)

وتطبيق هذا المنهج على منهج مالك في تناول مشكلة الحضارة يكشف عن قصور منهجه والسبيل إلى تلافيه.
فالحضارة عنده -من ناحية تركيبها - ذات عناصر ثلاثة، هي: الإنسان، والتراب، والزمن. والإنسان هو العنصر الأساس من تلك العناصر الثلاثة، إذ أن العنصرين الآخرين إنما يشكلان المجال الذي تظهر فيه عبقرية الإنسان، وفاعليته.

وتركيب العناصر الثلاثة- في رأي مالك- إنما يتم بواسطة الدين، الذي يحقق بتركيبها حضارة من الحضارات، تؤدي وظيفة اجتماعية تتمثل في تحقيق الضمانات لذلك المجتمع في أمور معاشه؛ وهذا يشمل الحضارات كلها منذ آدم عليه السلام إلى آخر الدنيا.


ويرى الدكتور أن تطبيق المنهاج الإسلامي على الحضارة باعتبارها آية يلزم فيه النظر إليها من الزاويتين السابقتين بواسطة تحليل عناصر الحضارة التي تكونها في الواقع.

وقد بيّن الدكتورهذا الأمر في ضوء قصة استخلاف آدم عليه السلام كما وردت في القرآن الكريم، بقوله: فبالنسبة لتحديد العناصر نلحظ مايأتي:

أولا: الإنسان : كما في قوله تعالى : (إني جاعل في الأرض خليفة).


ثانيا : الأرض : كما في الآية السابقة ، وفي قول الله عز وجل: (ولكم في الأرض مستقر ومتاع )

والتعبير عن هذا العنصر( بالأرض) أولى وأحق من التعبير( بالتراب) ، باعتبار علاقة الإنسان بالأرض وكونها علاقة (استخلاف)، وليست كما في المظهرين اللذين ارتآهما مالك بالنسبة لعلاقة الإنسان بالتراب – الملكية والناحية الفنية – بإطلاق بل في إطارالاستخلاف.

ثالثا: الزمن : كما في قوله تعالى: (مستقر ومتاع إلى حين).

هذا بالنسبة للعناصر أما المركب لها أو المنهج الذي تتركب تلك العناصر بواسطته ويحدد وظيفتها ووجهتها : فنجده في قوله تعالى: ) فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون ، والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون).

وعلى هذا فالحضارة تنحل إلى جانبين :
الأول: عناصرهي العناصر الثلاثة ، الإنسان والأرض والزمن .
الثاني: منهج يوضح كيفية أداء الإنسان لوظيفته ويتمثل في (الوحي).

ومواصلة التحليل تكشف عن الجانب الأول، أي صلتها بالله عزوجل من حيث المبدأ والغاية ، لذا فقد واصل الدكتور تحليله مبينا صلة الحضارة باعتبارها آية بالله عز وجل وكاشفا عن وظيفتها الأساس، وارتباطها بالمنهاج الحق في المعاد والمعاش، على مقتضى سنة الله عز وجل ( سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا ) وهو المعيار الذي تقوم في ضوئه مشكلة الحضارة.

وعلى هذا الأساس فالحضارة- في رأي الدكتور- هي: ( ثمرة موقف الإنسان من الوحي).
باعتبار أن موقف الإنسان من الوحي سيكون أحد ثلاثة أمور:


الأول: التطبيق الحق: ويمثل مرحلة ظهور الحق وكمون الباطل أو الحضارة الربانية ( فمن تبع هداي)، وسمتها الانسجام مع السنن في المعاد والمعاش في نطاق الحق أو الوحي.


الثاني: الإخلال بالتطبيق : وهو يمثل مرحلة التباس الحق بالباطل، وفيه تتحول الحضارة تدريجيا من حضارة ربانية إلى حضارة شيطانية ، فهو مجتمع مفتون، وسمته الإخلال بالانسجام مع السنن في المعاد والمعاش، ويختلف وضعه في التاريخ بحسب انحرافه عن الوحي، ومخالفته للسنن (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيئ إنما أمرهم إلى الله ).

الثالث: إقصاء التطبيق: وهو يمثل مرحلة ظهور الباطل وكمون الحق، أو الحضارة الشيطانية (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون )، وسمتها مراعاة السنن من ناحية المعاش دون المعاد خارج نطاق الوحي، بالركون إلى السبب مع جحود ماوراءه ( قل إنما أوتيته على علم عندي).
وقد عزز الدكتور رؤيته هذه للحضارة بما ذكره من نصوص نبوية شريفة أوردها ضمن قواعد تفسير التاريخ في نهاية مبحث الحضارة من الكتاب.

(2) نظرية الحضارة بين مالك بن نبي والدكتور عبدالله العويسي


في نقده لمعالجة مالك بن نبي لمشكلة الحضارة في العالم الإسلامي، حاول الدكتور عبدالله أن يكشف القصور في منهج مالك في تناول هذه المشكلة، ولم يكتف بذلك بل حاول الدكتور تلافي ذلك القصور في موقف يبدو توفيقيا بين موقف سيد قطب ومالك بن نبي من الحضارة، إذ النظرية التي قدمها الدكتوراستطاعت التأليف بين النظرة الإسلامية لسيد، والنظرة التاريخية لمالك - إن صح التعبير-، إذ أن سيدايعترف بالحضارة ويحصرها في الإسلام دون الاعتراف بدورة حضارية، بينما يبني مالك نظريته في الحضارة على أساس الدورة الحضارية التي قال بها فلاسفة التاريخ الأوروبيون، والتي استلهمها بعضهم من نظرية تطور الدولة عند ابن خلدون كما يرى عدد من الباحثين، أما الدكتور عبدالله فيصادق على نظرية الدورة الحضارية ويؤصل لها تأصيلا إسلاميا كما بين ذلك في قواعد تفسير التاريخ في ضوء المصادر الإسلامية في أواخر مبحث الحضارة من الكتاب.

وبالنظر إلى المراحل أو الأطوار الثلاثة للحضارة عند الدكتور عبدالله نجد أن المرحلة التي أطلق عليها الدكتورمرحلة ( التطبيق الحق للوحي)- وهي المرحلة التي يُعرف بها سيد قطب الحضارة ويحصرها فيها – نجد هذه المرحلة تقابل مرحلة ( الروح ) عند مالك، وهي المقابلة كذلك لمرحلة (النهضة أو الميلاد) في الدورة الحضارية من وجهة نظر فلاسفة التاريخ.
كما نجد أن مرحلة (الإخلال بالتطبيق) عندالدكتور تقابل مرحلة (العقل) عند مالك والمقابلة لمرحلة (الأوج ) في الدورة الحضارية، ومرحلة ( إقصاء التطبيق ) عند الدكتور فتقابل مرحلة (الغريزة) عند مالك، والمقابلة لمرحلة (الأفول) في الدورة الحضارية.
وبالعودة لما قاله الدكتور أثناء إيضاحه لرؤيته تلك نجده يخالف مالكا في كونه لم يعمد إلى صياغة نظريته في الحضارة في أطوارها الثلاث من وجهة نظر تاريخية صرفة، وإنما عزا نظريته بمجملها إلى قواعد إسلامية لتفسير التاريخ في ضوء المصادر الإسلامية -كما سبق الذكر-، وإلى حديث حذيفة بن اليمان -رضي الله عنهما- فيما يتعلق بأطوار الحضارة تحديدا، وقد بدا لي أن رؤية الدكتور خاصة بالمجتمع الإسلامي، ولا يتأتى تطبيقها على مسيرة الحضارة المجتمعات الأخرى، ويبدو ذلك بالنظر إلى تعريف الدكتور للحضارة إذ عرفها الدكتور بقوله:" الحضارة هي ثمرة موقف الإنسان من الوحي".، فهذا التعريف هو تعريف للحضارة بإطلاق، وقوله هذا يجعلنا نكرر تساؤله السابق الذي طرحه عند تناوله للفكرة الدينية عندمالك بمفهومها العام ، بصيغة مشابهة فنتساءل: ماذا عن الحضارات التي قامت على غير الوحي كالحضارة الصينية واليابانية؟
هل يصادق الدكتور على إطلاق وصف الحضارة عليها، أم أنه ينحى منحى سيد قطب في عدم اعتبارها حضارة؟

وهل وصفها بالحضارة يعني تزكية مبادئها التي قامت عليها، أم هو من قبيل التعاطي معها بوصفها واقعة اجتماعية أو كونية كما يرى مالك؟
ثم إذا ما أردنا "أن نفسر وضع المجتمعات بناء على وضع المجتمع الإسلامي، باعتباره نموذجا للمجتمعات الدينية السابقة ولا يشذ عنها إلا من ناحية موقفه من الوحي باعتباره منهاج الحياة في المعاد والمعاش" -كما يقول الدكتور-، وحاولنا تطبيق هذا التفسيرعلى الحضارة الغربية -على سبيل المثال- من وجهة نظر الدكتور لأطوار الحضارة، فهل يصح أن نصف مرحلة(الميلاد أوالنهضة) -بالتعبير التاريخي- (أوالروح) -بتعبير مالك- في تلك الحضارة بمرحلة (التطبيق الحق للوحي )-بتعبير الدكتور- والتي هي مرحلة ظهور الحق وكمون الباطل، وكيف يتأتى ذلك إذا كانت تلك المجتمعات الدينية أسست حضارتها على مبادئ باطلة بتحريف البشر، لامن حيث كونها ربانية المصدر؟
ألا يضطرنا ذلك للعودة إلى نظرية مالك عند تفسير مسيرة الحضارة في مجتمعات الأمم غير الإسلامية، بينما تبقى رؤية الدكتور خاصة بتفسير مسيرة الحضارة في المجتمع الإسلامي دون سواه، خاصة و أن الدكتور في تفريقه بين الحضارة الربانية والشيطانية ينطلق في هذا التفريق من موقف الإنسان من الوحي أيضا ، وفي داخل نطاقه تطبيقا وإخلالا وإقصاء، وهذا يجعلنا نتساءل مرة أخرى عن تناول الظاهرة في المجتمعات التي أسست حضارتها على غير الوحي، هل يجحد الدكتور حضارة تلك الشعوب بوصفها ظاهرة تكررت في التاريخ الإنساني، أم أن المشكلة في حقيقتها مشكلة مصطلح فقط !.

.

ملاك الجهني

2007م

   طباعة 
0 صوت
 
 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
5 + 6 = أدخل الكود
 
 
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة

المواد المتشابهة المادة التالية
 
 
جديد المواد
جديد المواد
قراءة في كتاب سلطة الثقافة الغالبة - القراءات الفكريــــة
 
 
القائمة الرئيسية
 

البحث
البحث في
 

القائمة البريدية

أدخل بريدك الالكتروني لتصلك آخر اخبارنا
 

عدد الزوار
انت الزائر :39045
[يتصفح الموقع حالياً [ 3
الاعضاء :0الزوار :3
تفاصيل المتواجدون