في عباءة

عرض المادة
في عباءة
1919 زائر
23-05-2013
ملاك الجهني
في .. عباءة
.
إذا قال الشتاء أنه يخبئ الربيع ..
فمنذا ..
يصدق الشتاء ..؟
-جبران-


.



لم تخبُ في ذاكرتي بعد تفاصيل اليوم الأول لارتدائي العباءة ..
لازالت تومض كضوء سارية تتمايل بين أذرع الموج في ليل داج ..
لم أكن أعلم وقتئذ أنني سأطوي صفحة من حياتي .. لن تفتح إلى الأبد ..
ولم يقع في روعي أنني سأودع مع غروب شمس ذلك اليوم آخر نهار ضجّ بعبث الطفولة..
كانت المفاجأة أكبر من أن يسعها إدراكي بحدوده الضيقة ..
وجل ماكان يحزنني ويربكني أن أغادر عالمي الملون البسيط .. لعالم آخر أجهله
ينتظرني فاتحا ذراعيه ليحتويني في عباءة ..


تساءلت ..
كيف ستبدو الأشياء .. الناس .. لون السماء .. وحجارة الرصيف .. إذا ماغشيها السواد ..
وأنى للساني أن يمسك عن الكلام بحضرة الغرباء وبين القامات الشاهقة .. وأنا التي ماعرفت الصوم يوما عن الحديث ..

طيلة طريق جمعني بنساء صغيرات يهوين ممارسة الثرثرة .. ؟

أخذت في استرجاع توجيهات والدتي .. دعواتها .. كلماتها .. حكايتها العذبة عن المعطف والمطر
وجسرٍ موصلٍ للجنة لا تعبره بسلام سوى الصالحات ..
ثم عنّ لي أن أتكيف مع عالمي الجديد فأوعزت إلى مخيلتي بأن تصنع لي معطفا
كذلك الذي في حكاية أمي وأسميتني سيدة المطر ..

هكذا ببساطة تجاوزت ذلك المنعطف حين فاجأني بدون علامات .. أوإشارات مسبقة ..
وعبرتُ ضفة إلى أخرى على ظهر سفينة من وهم أبحرت بي بمجاديف الخيال ..

الخيال .. هذا السخي الذي لايفتأ يغدق علينا من عطائه الثر كلما أجدبت أيامنا ولم تنبت لنا ما نستظل بفيئه

فكيف إذا اشتدت حرارة الأسئلة وتساقطت كالحمم على رؤوسنا الحاسرة ..
قطعا .. سيمنحنا سقفا واقيا ..

أستجلب تلك التفاصيل فتشدني إلى التأمل في الخطوط الفاصلة بين الأشياء وهي تمهد للانتقال من نقطة إلى أخرى ..
أشتعل فضولا و تذوب تأملاتي خشوعا أمام عظمة الخالق
و تسييره لهذا الكون ومافيه وفق نظام دقيق وبانسجام مذهل دون خلل أو توقف ..

ألهذا أمرنا بالتفكر في آيتين من أعظم آياته تتجليان في مشرق شمس كل يوم ومغيبها ..
ليل ينسلخ من نهار.. ونهار ينسلخ من الليل ..

أتساءل ..

ماذا لو هبط الظلام بغتة .. أو انفجر الصبح كذلك دون أن ينسلخا من غلس أو عتمة .. ؟
وكيف لو ابتدرنا زمهرير الشتاء دون أن يرسل الخريف بين يديه نذيرا
يصيح مبددا برياحه الغاضبة دفء أمسياتنا الحالمة ليغادرنا الصيف مفجوعا
بكبريائه الجريح ..


حتما ..
لم تتشابك الخواطر وتتراكم التأملات بهذه الصورة في عقل طفلة لم يدفعها التفكيربعد لتسلق
المناطق الوعرة ..
واكتفت فقط بقنطرة صنعتها ذات مساء من بعض حكايا معجونة في الذاكرة ..
لعلها تيسر لها العبور إلى عالمها الجديد الذي ماعاد جديدا مع تطاول العهد ..

فقد مضت السنوات .. وتوثقت عرى الصداقة بيني وعباءتي ..
ولازلت أحيا حلم سيدة المطر غير أن كثيرا من المعاني الكامنة بين طيات الحجاب
والحكمة الواقفة خلف الأمر به جئن ليضفن للأحلام فصولا أخر زدن من لذاذتها ..

وجعلن ارتداءها يشبه الهروب من ضياء إلى ظلام .. الأول كجنة الدجال والآخر كناره ..
ليصبح التلفع بسوادها تجنبا لسواد آخر واستجلابا لبياض ليس يجبى إلا على أجنحة الغربان ..

ففي عباءة تولد مواسم الربيع ويشدو العفاف بأنشودة النقاء ..
ومع عباءة تكتمل أنوثة امرأة يختزلها السفور في جسد.. فتجد لجسدها روحا لا تُنزع..
ولكتابها سطورا لا تلتهمها نظرات قارئ جائع .. أو تمتد إليها أنامل قارئ مكفوف ..
ولأفكارها .. وحديث ملامحها .. الحرية من رق الآسرين وفضول العابرين ..
ليبقى .. فرحها ووجومها .. ألمها وسكونها .. خوفها .. لافتات مشاعر مستترة..
تتمرد.. تنتفض .. ويسعدها ألا يلمحها أحد .. لأنها مغلفة بعباءة ..
فيها وبصحبتها فقط تتابع زخّات الأحاديث السرّية. .
تنقلها من خطرة إلى أخرى ..

.

ملاك الجهني

10/4/ 2004

   طباعة 
3 صوت
 
 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
4 + 8 = أدخل الكود
 
 
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة

المواد المتشابهة المادة التالية
 
 
جديد المواد
جديد المواد
خربشة على أسوار المهجر - الســرديـــــــــــــات
عندما تغني البلابل - الســرديـــــــــــــات
تساؤلُ موجع ! - الســرديـــــــــــــات
على عتبات بيتها - الســرديـــــــــــــات
 
 
القائمة الرئيسية
 

البحث
البحث في
 

القائمة البريدية

أدخل بريدك الالكتروني لتصلك آخر اخبارنا
 

عدد الزوار
انت الزائر :43312
[يتصفح الموقع حالياً [ 3
الاعضاء :0الزوار :3
تفاصيل المتواجدون