عندما تغني البلابل

عرض المادة
عندما تغني البلابل
1208 زائر
23-05-2013
ملاك الجهني

عندما تغني البلابل

.

خرجت ذات صباح إلى الحديقة الخلفية لمنزلنا الصيفي في عمان الأردن ..

كان آب آنذاك يجر ذيوله مؤذنا بالفراق بعد أن أينعت بدفئه الكروم واحمرت قطوفها..

مشيت قليلا ثم آثرت الجلوس تحت ظلال شجرة التين الكبيرة في زاوية المكان..

في الجهة المقابلة تقع الحديقة المجاورة حيث جارتنا العجوز النصرانية تعمل كالمعتاد في تهذيب الأغصان وري أزهارها في مثل هذا

الوقت من كل صباح بانضباط يفوق ساعة ( بج بن ) اللندنية ..

المختلف في ذلك اليوم هو افتقادها لشيء من هدوئها المعتاد ..

أرسلتُ طرفي نحوها بعد أن كادت تفسد علي صباحي بضجيج الأخشاب والأوراق ..

فإذا بالعجب يتملكني وقد رأيتها اعتلت سلما خشبيا آخذة في تغ
ليف عناقيد العنب بأكياس ورقية بنية اللون تشبه أكياس الفلافل ..

ولأنني كنت أبحث دوما عن إجابات سريعة ومقنعة أسعفني مركز التحليل التلقائي خاصتي مباشرة بإجابة

طازجة وساذجة .. وجزمت أن تلك العملية التي تقوم بها العجوز ماهي إلا المرحلة الأولية لصنع

النبيذ وأضفت قليلا من الملح لهذه الحقيقة المتوهمة بأن استدعيت صورة النبيذ في الرسوم المتحركة من إرشيفي الطفولي

فإذا باللون يتطابق مع حمرة حبات العنب المتدلي من الكروم ..

ثم ختمت غبائي بالاشمئزاز من جارتنا الشمطاء ، والحمد والامتنان لرب العالمين أن هدانا

وجعلنا مسلمين ..

عندما حلّ المساء .. جاءت لزيارتنا إحدى صديقات والدتي ..

كانت المرأة سنينة جدتي ولكنها ظريفة خفيفة الظل راوية، ثقة ، حافظة للتاريخ ..

شهدت أواخر العهد التركي ومأساة ضياع الأرض المباركة والأحداث المريرة المصاحبة لاغتصاب الصهاينة لها ..

و كثيرا ماكانت تمضي معنا أوقاتا عريضة ..

تضحكنا وتبكينا ، تؤنسنا بحكاياتها العذبة ونوادرها الطريفة ، حتى ألفتنا وألفناها ..

فلقد كبرت وليس في ذاكرتي أقدم من صورتها رحمها الله وأسكنها فسيح جنانه ..

لذا أسرعت إليها حينما قدمت ولم أتوان عن سؤالها عن سر الثياب الورقية التي

ألبستها تلك المرأة عناقيدها ..

واحتفظت بتحليلي السابق ريثما أحصل على الإجابة وأفاجئها بسرعة بديهتي ..

ولكنها أتت بإجابة غير متوقعة أشبه ماتكون بانهيار ثلجي سكبت معها برميلا من الماء البارد على رأسي فخمدت توقعاتي وابتلت

بديهتي بالخيبة ..

ورغم ذلك فقد حررت أسئلتي السجينة في علامات الاستفهام الصباحية عندما فسرت ذاك الغموض بأن العناقيد تستر

لئلا تعبث بها العصافير وتسرق حلاوتها ..

ثم سردت لي أسطورة قديمة تحكي سبب عذوبة ألحان البلبل ذاك أنه يأتي إلى حبات العنب ويصنع بمنقاره

ثقبا صغيرا في كل منها يرتشف منه رشفات ..

ثم يعيد القشرة إلى مكانها ويغيب لأيام ليعود إليها فيما بعد وقد اختمرت فيشرب منها ..

حتى الثمالة

وذا هو سر تغريد البلابل ..

قلت لها .. إذن كنتم تظنون أن البلابل تغرد لأنها سكرى ..!!!

سبحان الله لولا أن لطف الله بنا لعشنا في التيه الذي يعيشه المحجوبون عن عظمة الخالق ..

ومامن شيء إلا يسبح بحمده ولكن لاتفقهون تسبيحهم ..




   طباعة 
1 صوت
 
 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
3 + 5 = أدخل الكود
 
 
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة

المواد المتشابهة المادة التالية
 
 
جديد المواد
جديد المواد
في عباءة - الســرديـــــــــــــات
خربشة على أسوار المهجر - الســرديـــــــــــــات
تساؤلُ موجع ! - الســرديـــــــــــــات
على عتبات بيتها - الســرديـــــــــــــات
 
 
القائمة الرئيسية
 

البحث
البحث في
 

القائمة البريدية

أدخل بريدك الالكتروني لتصلك آخر اخبارنا
 

عدد الزوار
انت الزائر :43312
[يتصفح الموقع حالياً [ 4
الاعضاء :0الزوار :4
تفاصيل المتواجدون