تساؤلُ موجع !

عرض المادة
تساؤلُ موجع !
1633 زائر
23-05-2013
ملاك الجهني

تساؤل موجع !

.

كنت أمضي يومي الأخير في تلك المدينة ، حين أصدر هاتفي الجوال نغمته المعتادة ..فتناولته لأجد بضعا من مكالمات لم تلق ردا وعددا من رسائل فارغة شغلت عن الرد عليها ببعض الأمور زمنا يسيرا ..

نظرت إلى اسم المتصل فلم يخالف توقعاتي .. ها هي ذي تتصل لتؤكد شكوكي ..

فقد استيقنت الآن أنها تمر بأزمة ما وشت لي بها ملامحها التي رأيت ، ورسائلها التي آثرت أن تتركها فارغة ، لتحملها مالا يسع

حرفها حمله

تماما كما عهدتها كلما اجتاحتها الهموم ..

كتبت لها ردا قلت فيه : سأهاتفك .. أمهليني فقط ريثما أحزم حقائبي ..

فردت علي مباشرة برسالة لم تتسع هي الأخرى لكلمة .. أو حرف ..أو حتى علامة استفهام ..!
غير أنها وخزتني بعتبها الصامت فألقيت ما كان بيدي من ثياب وتخطيت فوراً حقائبي المُشرعة لأحصل على الإذن بزيارة طارئة لم تكن في الحسبان ..

لم يمض وقت طويل مذ كنّا معاً ، لم تكن تظهر شيئا مما يعتريها .. لكنها كانت تتحدث بفتور عن أمور كانت تحوز اهتمامها أكثر من أي شيء آخر..

لم أشأ أن أسألها آنذاك فقد اعتدت أن أتركها تبدي ما تشاء باختيارها أو متى ألجأتها الحاجة ، وكثيرا ما كانت تفعل بعد وقت يسير من اعتصامها بصمتها المكابر ،
إذ البوح برأيها سلوك اضطراري يشبه الخوض في الوحل حين يصبح حتمية تفرضها علينا ضرورة الانتقال من ضفة إلى أخرى ..

توقفت بي السيارة أمام منزلها .. هاتفتها لتفتح لي الباب ، ثم ترجلت، فإذا بطفلتها الصغيرة تقف متعلقة بمقبض الباب توميء لي بالدخول بينما تقفز على قدم واحدة ..

ترددت في إجابتها قليلا ..فلم أعتد التنقل في منازل الآخرين بمفردي وأقلقني استقبال الصغيرة لي بدلاً منها، هممت أن أسألها عن سر تغيب والدتها فبادرتني بقولها :
أمي أخبرتني أنك ستحضرين لي كثيرا من الحلوى إن أنا انتظرتك ..
أسقط في يدي ولم أجد جوابا ..!!
فلا مجال لاختراع عذر يحوطه الكذب من كل أنحائه .. لم أجبها .. ولم تكرر هي ما قالت ..

طفلة مؤدبة .. خذيني إلى أمك ..

هذا فقط ما استطعت قوله ..

أطلقت زفرة صغيرة ثم راحت تهرول ..

نظرتُ إليها ملياً وهي تتقافز أمامي بعبث طفولي آسر ، لتدلني على الطريق وفي قلبها لازالت تتأرجح تلك الأمنية ..
تبعتها وأنا أفكر في أمرحقيبتي الجدباء وردي الذي سيهوي بأطماعها البريئة ..
فباغتتني الخادمة بصوتها الأجش :
سيدتي تنتظرك في الداخل .. فأضافت الصغيرة بصوت خفيض :
وحلواي ..؟؟
ياله من توسل .. آليت إلا أن أحتاط لمثله في المرات المقبلة ..
هذا ما حدثتني به نفسي لتحررني من الشعور بالذنب تجاه تلك الطفلة ..

رضيت بعزمتي فتجاوزتها بحرج بالغ وسرت خلف الخادمة ..

قرع سمعي نحيب خافت تئن به إحدى الغرف .. التفت إلى مصدر الصوت و اتجهت نحوه ببطء ..

فإذا هي جالسة أسفل المقعد مسندة رأسها إلى ركبتيها ..

اقتربت منها ..

لم أجد ما أقوله ..

كم تبدو الكلمات باهتة في وقت كهذا .. !

لم تنتظرني طويلا لأبدأ الكلام ..

بل اندفعت تتحدث بلهجة مريرة يمزقها النشيج ..

غادرني منذ أيام .. وعلق عودته بشرط رضوخي لسحب طلب الموافقة على إتمام دراستي العليا ..

خيرني بين البقاء على عهد الزوجية على أن أتخلى عن طموحاتي .. وبين أن يخلي بيني وبين تحقيقها

على أن نفترق ..

كم يحب نفسه ..!

لو أنك رأيته وهو يسخر مني قائلا : نجاحك الحقيقي لن يكون في غير تربية أبنائك ..!

ما الهــــــــــــــدف ؟؟!!

أي ضجر يريد أي يسجنني فيه .. و أي متعة فكرية سأجد في مجالسة الصغار ..؟

أي جناء سأخرج به ..؟

أسرة مستقرة .. !

أبناء صلحاء !

هذا ما صنتعه أمهاتنا الأميات المغموزات في عقولهن .. وتجيده أي جاهلة .

لا تمايز ..

ليست سوى سخرية يمارسها لابتزازي ..

بل أضحي بقربه في سبيل تحقيق ذاتي ..


.... هالني ما رأيت من أمرها .. وآسفني ما سمعت ليس لجدة ما جاءت به فتلك فكرة تتداولها كثير من العقول ..

ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يلامس سمعي فيها تصريح كهذا ، إنما آلمني مشهد ذلك الصغير المنكفئ على وجهه قرب قدميها

عندما استيقظ من نومه فزعا باكيا يتشبث بذراعها وكأنه يطرد حلما يصور له فقدها ..
فما كان منها إلا أن نفضت يدها منه وكأنها تتخلص من قذر ..أو تهرب من خطيئة ..
فوقع ذلك الطفل البائس على أنفه كفرخ سقط من عشه ..

بكى ..
ثم رفع بصره إليّ خجِلاً ودسّ رأسه في جنبها ..

تلاشت من صدري كل مشاعر تعاطف كنت أجدها لها..
لأمتلئ أسى لأنانيتنا .. لقسوتنا ، لهوى يزين لنا خطايانا ، لامرأة لم ترض بما رضي لها ربها ،
لنفوس بريئة عهد إليها بتربيتها .. بتشكيلها .. بسدانتها .. حتى أسقط عنها عددا من الشعائر
لأجل تأدية ماناطها به على الوجه الأكمل و ليكافئها بجنة عرضها السموات والأرض إن هي أتت بما
عليها ..

فإذا هي تهرب من فردوس السماء لتهبط إلى درك الذات ، فتزهد في دورها وتجعل تربية الأبناء شركة
مع أخرى وقسمة غير عادلة بينها وبين أم بديلة ، بحثاً عن نفس يخيل إليها أنها ستجدها في منجزات مادية ،
تنفي عنها خبث البطالة ، وتطهرها من دنس أمومة بات التفرغ لمهامها والتفاني في القيام بها
عارأ يلطخ تاريخ أمهاتنا ..

إنه لجدير بالتأمل شعورنا كنساء بدونية الوظيفة الأزلية للمرأة ، والهزء من ضرورة إيفائها حقها حدّ التفرغ لها وحدها إن ( اصطدمت ) كأولوية مع فضول أدوارنا الأخرى ،

بينما لا نجد غضاضة في رؤية بعض المبدعين من مفكرين وقصاص وفنانين يفعلون ذلك فيزهدون في سبيله أحيانا بوظائفهم الأكاديمية التي هي مصدر عيشهم وأسرهم .
بل كثيرا ما يتقدم المهتمون بالبناء الثقافي في بعض الدول باقتراحات تخلية تلك الفئة من المهام الوظيفية لدولهم من أجل تفريغهم للعملية الإبداعية،

بينما نستاء بالمقابل من تفرغ امرأة قد تفشل أحيانا في تحقيق النجاح ( المتوازن) في مختلف ما تقوم به من أدوار !


من الغبن أن يكون ذلك هو تقديرنا للأثر المترتب على غياب من يكسف بغيابها عن فلكها نور العلم والإيمان الذي تشع انعكاساته في صغار البشرية ..

لا لشيء إلا لجري عدد من نسائنا خلف سراب خادع لنجاحات ( جزئية ) هي أصغر بكثير من حجم ما يمكنهن تحقيقه في وظيفتهن الأم ..


ولهي أعمق وأشد أثرا مما يصدر عن تأليف كتاب أو صياغة فكر، لن يجدا لهما محلاً صالحاً قابلاً للإفادة ،

إن تخلت المرأة - وهي راعية المؤسسة التربوية الأولى- عما كلفت بتهيئته في كل إنسان صغير

وليته في صحته النفسية والجسدية والفكرية ..!!
فمن هنا كانت المرأة رائدة في الصناعة الأولية للإنسان وما عداها تبعٌ ومكملٌ ومضيفٌ لها في هذا الدور..
أفلا تستحق الأمومة بعدئذ وقفة إجلال وإكبار تدفع المرأة لأن تفقه أولوياتها فتقدرها حقّ قدرها وتعيش وفقها على هدى من ربها
بدلاً من أن تتساءل مالهدف ..؟

.

ملاك / ذات صيف ..

15/10/2005

   طباعة 
1 صوت
 
 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
3 + 4 = أدخل الكود
 
 
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة

المواد المتشابهة المادة التالية
 
 
جديد المواد
جديد المواد
في عباءة - الســرديـــــــــــــات
خربشة على أسوار المهجر - الســرديـــــــــــــات
عندما تغني البلابل - الســرديـــــــــــــات
على عتبات بيتها - الســرديـــــــــــــات
 
 
القائمة الرئيسية
 

البحث
البحث في
 

القائمة البريدية

أدخل بريدك الالكتروني لتصلك آخر اخبارنا
 

عدد الزوار
انت الزائر :39045
[يتصفح الموقع حالياً [ 3
الاعضاء :0الزوار :3
تفاصيل المتواجدون