الاتجاه التوفيقي الحديث بين المدرسة الإصلاحية والنسوية الإسلامية

عرض المادة
الاتجاه التوفيقي الحديث بين المدرسة الإصلاحية والنسوية الإسلامية
2149 زائر
23-05-2013
ملاك الجهني

برز الاتجاه الساعي للتوفيق بين الإسلام والرؤية الغربية نتيجةً للاحتكاك الإسلامي بالغرب الحديث عبر الحملات التي شنتها الدول الاستعمارية على البلدان الإسلامية في مطلع القرن التاسع عشر.

وتُنسب التوفيقية الحديثة للمدرسة الإصلاحية التي نشأت في مصر آنذاك بقيادة الشيخ محمد عبده.

وقد اتسمت حركة الشيخ الإصلاحية للفكر الإسلامي بالشمولية فلم تقصر مجال اشتغالها على موضوعات بعينها بل غطّت موضوعات عديدة طبّقت عليها المنهج ذاته والقائم على قراءة النصوص الشرعية في ضوء المتغيرات المعاصرة، وتأويلها تأويلاً جديدًا يهدف للاقتراب بالإسلام من الضمير الحديث.

وعولجت قضايا المرأة ضمن الإطار التوفيقي الإصلاحي الشمولي السابق، ومن أشهر تلك القضايا تعدد الزوجات، وتعليم المرأة، والطلاق، والمساواة.

وتفاوتت معالجات المنهجية التوفيقية للأحكام المتعلقة بقضايا المرأة قربًا وبعدًا عن الخطوط العامة للفقه الإسلامي، فبينما تقترب القراءة الإصلاحية للمساواة والقوامة من تلك الخطوط، تبتعد عنها المعالجة التوفيقية لتعدد الزوجات-مثلا- إذ نادى الشيخ بتحريم التعدد مراعاة للمصلحة، ودفعًا للمفسدة، وعملاً بحديث:(لا ضرر ولا ضرار).

وقد أثرت أراء الشيخ عمومًا في مجال القوانين كما أثرت في طروحات تلاميذه ومريديه كقاسم أمين في تناوله لقضية السفور والحجاب، ورغم أن الشيخ محمد عبده لم يكن علمانيًا- كما يقول الشيخ سفر الحوالي في كتابه العلمانية- إلا أن أفكاره مثّلت حلقة وصل بين العلمانية الأوروبية والعالم الإسلامي.

وبالعودة لأعمال الشيخ محمد عبده لا نلحظ وجود قطيعة مع التراث أو (المجموع الفقهي) -بحسب تعبير فهمي جدعان- فقد بنى الشيخ آراءه على مقاصد الشريعة، والمصلحة، والقواعد الفقهية، كما استمد من تراث المذاهب الفقهية الإسلامية المختلفة ولم يقتصر على السنية منها فقط بل أضاف لها المذهب الجعفري.

ورغم أن المنجز الفكري للحركة الإصلاحية قد استعار لبناته الأولى من المجموع الفقهي فكان ذلك التراث منطلقًا ومجالاً للانتقاء والاجتهاد، بمنهجية عمدت للتوفيق والتلفيق بين المذاهب الإسلامية، واستلال الشذوذات والتأسيس عليها بعقلانية مخالفة لمنهج السلف وطرائق الأئمة، فقد حافظت التوفيقية الإصلاحية إلى حدٍ ما على ما يتعبرنه النسويات الإسلاميات المعاصرات فهمًا تقليديا لأفضلية الرجل على المرأة ممثلة بالقوامة والتي تعد تمييزًا صارخًا ضد المرأة، إضافة للموقف الإصلاحي من حرية المرأة، وهاتان القضيتان (المساواة، والحرية) تقفان على رأس المطالبات النسوية الإسلامية الحقوقية.

وحيث لم تحقق التوفيقية الإصلاحية تلك المطالبات لارتهانها للمجموع الفقهي بشكل أو بآخر فقد قامت التوفيقية النسوية التي برزت مع تيار النسوية الإسلامية على اختلاف أطيافه وآراء مفكراته بإجراء (قطيعة تامة) مع التراث الفقهي بأصوله وقواعده وشرائطه الاجتهادية بوصفه قراءة ذكورية أسست لاضطهاد المرأة، وقد آن الأوان لإعادة (قراءة/تأويل) الإسلام من منظور أنثوي بحت، وفي ضوء المبادئ الغربية كمبدأ (المساواة المطلقة) بين الجنسين، ومبدأ (حرية المرأة) وفق المنظور الغربي، وكأن هذه المبادئ مطلقات لا تقبل الشك أو النقض !

كما استعاضت التوفيقية النسوية عن الأدوات المنهجية الإسلامية بالأدوات المنهجية الغربية و أدوات ما بعد الحداثة بوجه خاص.

أما المصادر التي تمثل الإسلام لدى عامة النسويات التوفيقيات فمختزلة في القرآن الكريم، إذ تستبعد عامتهن السنة النبوية، وقد تستحضر بعضهن السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي وتتعاطى معهما وفقًا للمنهجية التفكيكية النسوية الهادفة لإبراز تأثيرات السلطة الأبوية والتحيزات الذكورية تجاه المرأة.

وإذا كان خطر التوفيقية الإصلاحية وجاذبيتها يكمنان في عدم انبتاتها الظاهر عن المجموع الفقهي فتبدو وكأنها خلاف دائر في إطار إسلامي فروعي.

فخطر التوفيقية النسوية وجاذبيتها يكمنان في عدم مصادمتها للوجدان الإسلامي الرافض للعلمانية بدعوى انطلاق هذه التوفيقية من الإسلام وبالإسلام، واستعمالها للمصطلحات الإسلامية مع تفريغها من محتواها، أي قطع العلاقة بين الدال والمدلول كما في استخدامها لمصطلح الاجتهاد مجردًا عن شرائطه وضوابطه المعروفة.

كما يكمن خطر النسوية التوفيقية وجاذبيتها كذلك فيما يمكن تسميته بالقابلية للاستلاب النِسوي لدى المخاطبات، وبخاصة لدى من عانين من المظالم الاجتماعية أو رصدنها وأنكرنها فكريًا ووجدانيًا، إضافة للتحيز الجنسي، أي تحيز المرأة لخطاب المرأة والذي قد يكون تحيزًا عاطفيًا أكثر منه معرفيًا.

فالمرأة في النسوية التوفيقية تتحدث باسم المرأة وتطالب بحقوقها باسم (الإسلام) وهي شريكتها التي اقتسمت معها المظالم الاجتماعية وذاقتا سويا مرارة الاضطهاد الذكوري، الأمر الذي يمنح مفكرات التوفيقية النسوية وسامًا تقديريًا لنضال يبدو في ظاهره متسقًا مع الهوية بل دائرًا في فلكها وإن كانت الحقيقة بخلاف ذلك.

ويبقى السؤال هل سيصادف خطاب التوفيقية النسوية تفاعلاً كالذي لقيته التوفيقية الإصلاحية فيحظى مثلاً بمن يشاركه التنظير أو التطبيق أو حتى الاستلهام، أم أنه سيظل خطابا نخبويًا متعاليًا؟

الواقع أن النخب المفكرة وإن كانت تقوم بعملية إنتاج الأفكار وتقف عند المستوى التنظيري، فليست منقطعة تمامًا عن التواصل مع من يقف على الطرف المقابل فيتلقى ويستهلك هذه الأفكار أو يروجها عبر وسائط ثقافية واجتماعية وإعلامية عديدة يتم من خلالها تحويل الأفكار إلى مشروعات عمل يتصل فيها منجز المفكرة بجهد الناشطة، مع توظيف تلك الوسائط في تبسيط الفكرة وتذليلها عبر المقالة الصحفية، والشعارات اللامعة، والمشهد المعبر.

ومع نشاط الفكر النسوي الغربي على المستوى التنفيذي عالميًا، فآثار الفكر النسوي الإسلامي الذي يتفق مع النسوية العلمانية (مبدأً، ومآلاً) واحتفت به اليونسكو فعقدت له مؤتمرًا بباريس عام 2006م - هذه الآثار- ستتجاوز التخوم، وقد تجاوزتها بالفعل استنادًا لما ذكرته الدكتورة نورة السعد في إحدى تغريداتها حول الدعوة النسوية لتفسير القرآن الكريم في أحد محافل جدة والتي سجلت وصول أولى وأخطر موجات هذا الفكر لعقر دارنا.

ومع تعدد مصادر التلقي في ظل الانفتاح الحادث، فلا ينبغي التعويل على المناعة الفكرية المتشكلة بفعل الخطاب الصحوي السابق والذي مثّل سدًا منيعًا أمام التغريب طيلة العقود الأخيرة الماضية، ولا بد من مواكبة المستجدات ومواجهة هذا الفكر بمثل ما ووجهت به التوفيقية الإصلاحية استعراضًا وفحصًا وتمحيصًا ونقدًا، إذ لا شك في أن خطر التوفيقية النسوية يفوق خطر الإصلاحية بمراحل إذ هي في حقيقتها عدوانٌ على الثوابت وتبديلٌ للدين.

http://lojainiat.com/c-98454

   طباعة 
1 صوت
 
 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
2 + 9 = أدخل الكود
 
 
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة

المواد المتشابهة المادة التالية
 
 
جديد المواد
جديد المواد
بين حملة إسقاط الولاية وتقرير وزارة العمل - المقـــــــــــــــــالات
من حياد الأرصفة إلى معمعة الأسفلت ! - المقـــــــــــــــــالات
 
 
القائمة الرئيسية
 

البحث
البحث في
 

القائمة البريدية

أدخل بريدك الالكتروني لتصلك آخر اخبارنا
 

عدد الزوار
انت الزائر :41096
[يتصفح الموقع حالياً [ 4
الاعضاء :0الزوار :4
تفاصيل المتواجدون