السادس من نوفمبر.. فارسات الجياد الخشبية !

عرض المادة
السادس من نوفمبر.. فارسات الجياد الخشبية !
3272 زائر
22-05-2013
ملاك الجهني

أن تمتطي جوادًا خشبيًا وتصرُخ وتزمجر وكأنك في معركة، فسلوكٌ يجعل من يراك يظنك تتدرب على أداء مشهدٍ مسرحي، أو تشارك أطفالك اللعب..

لكن أن تحاول إقناع من حولك أنك تعتلي جوادًا حقيقيًا، وتخوضُ معركة كبرى ومصيرية تتلفعُ بالبطولة، وتصنعُ التاريخ، فطرفةٌ ثقيلة تُزيّف الحقائق وتستخفُ بالعقول..

ولا يختلف هذا كثيرًا عمّا يطالعه قارئ الكتاب الصادر عن دار (جداول) اللبنانية عام 2013م تحت عنوان: (السادس من نوفمبر المرأة وقيادة السيارة 1990م) لمؤلفتيه عائشة المانع، وحصة آل الشيخ، حيث نسجتا كتابهما على هذا المنوال ومنذ السطور الأولى لمقدمته التي قالتا فيها :" إن إرادة صنع التاريخ هي حتمًا إرادة صلبة متميزة يسطرها دائمًا أولئك الشرفاء من الرجال والنساء، حيث تسودُ العتمة من حولنا ويحاول اليأس أن يتسلل خلسة إلى نفوسنا مسنودًا من قوى الاستبداد والظلام لوقف عجلة التاريخ، بل وإعادتها إلى الخلف" [ص11].

" إن للمرأة السعودية وقفة عز وفخار. كان ذلك عصر يوم الثلاثاء في السادس من نوفمبر عام 1990" [ص11].

" نعم إنه السادس من نوفمبر يومٌ للمرأة في هذا الوطن " [ص11].

" لقد كانت الحكاية مثيرة ورائعة، 47 امرأة كنّ يخططن لكتابة تاريخ للمرأة في بلدهن وكان كل شيء مرسوما بإرادتهن الخالصة، وكان القرار قرارهن" [ص11].

" وسوف يأتي يوم سيتذكر فيه الجميع يوم السادس من نوفمبر على أنه يومٌ مشهودٌ أسس لمرحلة جديدة في واقع وحياة المرأة السعودية والمجتمع السعودي على السواء"[ص204].

إن رصد التجارب الذاتية لا يسلم غالبًا من غياب الموضوعية في تناول الأحداث والوقائع وتحليلها ونقدها، وهو أمرٌ مسلم به في إطاره الواقعي، فرغم أن المؤلفتين قالتا في مقدمتهما أنه " لم يكن القصد من هذا العمل الإساءة أو تصفية حسابات مع أي أحد إنما كان توثيقًا للتاريخ"[ص12].

وعنين بذلك المظاهرة التي نظمنها وخرجن فيها يقدن سياراتهن بأنفسهن مطالبة منهن بقيادة المرأة للسيارة، رغم ذلك فقد عمدتا لشيطنة رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والسخرية منهم، وتشويه مواقفهم، والتحدث عن الهيئة كجهاز منفصل عن الدولة بل كحكومة أخرى تنازعها الحكم، وتكرر منهما وممن استكتبنهن من المشاركات في مظاهرة السادس من نوفمبر الأمر نفسه، كقول هيا العبودي: " كان رجال الهيئة في غاية الحنق والغضب، حيث كانوا يركلون سياراتنا بأيديهم وأرجلهم ويوجهون لنا شتائمهم ويبصقون علينا، كان هناك تعارض في الأوامر التي تأتي من رجال الهيئة وتلك التي تأتي من الشرطة وكأن هناك حكومتان"[ص239].

" وفي الوقت الذي ذهب فيه رجال الشرطة جميعًا لأداء الصلاة جماعة في المسجد، بقي رجال الهيئة واقفين إلى جانب السيارات وهم يتقافزون بطريقة عصبية، وقد فتح أحدهم باب السيارة التي أركب بها ونظر إلى وجهي الذي لم يكن يرى منه سوى عيني، حيث كنت منتقبة بشكل جيد، فما كان منه إلا أن طلب مني أن أغطي عيني وأردف قائلا حتى إنهما غير جميلتين" [ص240].

ويستمر توصيفهن للحدث بذات النَفَس الإيديولوجي الذي يصِم من عارض فكرة القيادة بالمتشددين حتى طال هذا الوصف مواقف الدولة نفسها، كقولهن:" فالمؤسسة الرسمية الدينية وعامة المتشددين من الناس ورموز الصحوة كانوا من المعارضين للفكرة، في حين وقف التيار الليبرالي ومجموعة المثقفين لدعم الحدث والإشادة به، أما على الصعيد الرسمي فقد تبنت الجهات الرسمية الخطاب السلفي المتشدد الذي يربط بين ما حدث وبين الفتن"[ص79].

إلا أن الذي قامت به المؤلفتان يتجاوز رصد التجربة من وجهة نظر شخصية إيديولوجية إلى محاولة إلباسها لباسًا موضوعيًا واعتبارها مكسبًا نسائيًا سعوديًا يضاف لحصاد نضال المرأة السعودية، وكأن المرأة السعودية نالت حقوقها انتزاعًا وغِلابًا ولم تُمنحها بطريقة لم تحلم بها المرأة الغربية (من قبل ومن بعد)، فهل نالت المرأة السعودية أهم مكتسباتها الاجتماعية وهو حقها في التعلم والعمل بأجرٍ متساوٍ مع الرجل نتيجة لنضال السعوديات أم بقرار سياسي (رجالي)!!

أم هل حازت المرأة عضوية مجلس الشورى مؤخرًا وبنسبة لا تُماثَل على مستوى برلمانات العالم إلا بقرار سياسي (رجالي) !!

إن تكرار هذه الدعوى في الخطاب يدفعنا للتساؤل: أين هي مكاسب النضال النسائي السعودي؟!

والواقع أن تحليل الخطاب يكشف عن إسقاط لتاريخ وواقع الصراع القائم بين الرجل والمرأة في الغرب على مجتمعنا السعودي، يؤكد هذا مصطلحات النقد النسوي التي حَفَل بها الكتاب كمصطلح (السلطة الأبوية) و(المجتمع الذكوري) وغيرها.

ولا يخفى على قرّاء التاريخ الغربي عمومًا وتاريخ الحركات النسوية الغربية بوجه خاص أن التظاهرات الاحتجاجية الأولى لتلك الحركات صدرت عن العاملات الكادحات في المصانع لمدد زمنية تزيد على سبع عشرة ساعة يوميًا في ظروف عمل خطرة، وبيئة صحية مزرية، وبأجور متدنية، طلبًا للتساوي في الأجور مع الرجال الذين كانوا يأخذون ضعف ما تأخذه المرأة على أداء العمل نفسه.

فهل خرجت نسوة السادس من نوفمبر لرفع الظلم عن المرأة السعودية لأسباب قريبة من هذا أو شبيهة به، أم لأجل المساواة في الجلوس خلف مقود سيارة (فاخرة) يملكنها بالأساس ومكنت لهن أوضاعهن المادية المريحة والمرفهة من تملكها !

إن دخول المرأة السعودية للتاريخ من مظاهرة المطالبة بقيادة السيارة دخولٌ للتاريخ من (أصغر) أبوابه وأكثرها هامشية مع الأسف.

وهذا ما تنبهت له المؤلفتان فحاولتا الخروج من مأزق الهامشية والضآلة بوصف المظاهرة بأنها " حركة رمزية لتغيير واقع المرأة السعودية" [ص34].

لكنهن لم يلبثن أن سقطن من جديد في شَرَك التناقض حين ذكرن الدوافع التي حركتهن شخصيًا للقيادة قبل أن يُسبغن عليها رداء الموضوعية، كقول عائشة المانع حين شاهدت المجندات الأمريكيات في حرب الخليج آنذاك يقدن عرباتهن العسكرية:" لقد تركت رؤيتي للمجندات الأمريكيات وهن يقدن عرباتهن العسكرية بأنفسهن بكل حرية على ذلك الطريق وفوق تراب الأرض التي حرمت من قيادة سيارتي عليها أثرًا بليغًا في نفسي"[ص 197].

" نعم لقد قررت في ذلك اليوم أن أقود سيارتي وأن أتحدى نفسي قبل أن أتحدى واقعي وظروفي وتقاليد مجتمعي التي حرمتني من أبسط حقوق المواطنة ...بحيث لن أرضَ بعد اليوم أن يصادر أيٌ كان حريتي ولن أنتظر بعد اليوم أحدًا ليتصدق علي بتلك الحرية التي هي ملكي وجزء من شخصيتي وحقي في المواطنة"[ص 198-199].

" كنت قد وصلت إلى منطقة الظهران وفي لحظة وجدانية وانفعالية طلبت من السائق السيرلنكي الذي كان يقود سيارتي بأن يتوقف ويجلس في المقعد الخلفي ليفسح لي المكان للقيادة...ركبت سيارتي ووضعت حزام الأمان وانطلقت مسرعة باتجاه الرياض"[ص 199].

إنّه منطق الثورة والنزق ذاك الذي يبرر للمطالب بحقوق مختلفة أن يتجاوز النظام، ويكسر الحواجز، ويشيع الفوضى، استجابة لمشاعر التبخيس والإهانة حقيقيةً كانت أم مفتعلة .. منطقٌ ذاتيٌ محض يعلو فيه صوت الفردانية فلا يأبه بالنتائج ولا يلتفت للمجتمع.

وخطاب الكاتبة الذي حضرت فيه (الأنا) وتحركت ببواعث وجدانية وقررت، وفعلت، ثم استدعت بعدها العقل ليشرعن طيشها، ويضفي عليه صبغة موضوعية، قريبٌ مما ذكرَته بقية المشاركات في الكتاب ممن سجلن تجاربهن في ذلك الوقت ودمغنها بمطالب الجماعة ووظّفن لها الأدلة والمبررات العقلية والشرعية ومنحنها جوازًا وطنيًا.

يظهر هذا في خطاب المطالبة بقيادة المرأة للسيارة الذي رفعته المانع نيابة عن المتظاهرات لأمير منطقة الرياض ولم يرد فيه شيء من دوافعها أو دوافع صويحباتها التي صرحن بها في الكتاب، بل ذُكرت فيه المبررات الدافعة لهذه المطالبة والتي تلخصت في خمس نقاط، هي: الخلوة بالسائق الأجنبي، والأعباء المالية الإضافية التي تتحملها الأسر لأجل السائق، وحدوث تجاوزات أخلاقية نتيجة وجود السائق الأجنبي في البيوت، وحاجة المرأة للقيادة في الأزمات كالحروب، وإعطاء المرأة الثقة لتحمل المسؤولية في المشاركة في بناء الأمة.[ص34-35].

فهل هذه المبررات هي ما حرك المتظاهرات حقا.. ؟

ما دونته أقلام الكاتبات في الكتاب يجيب صراحة بالعكس، أمّا ما سجلنه في خطابهن المرفوع للدولة فاستخدام براجماتي لمبادئ الشرع ومصلحة الوطن الذي لم تكترث به المتظاهرات، ولا بظروفه الحرجة آنذاك بل تعاملن مع أزمته بانتهازية ليست بأقل من انتهازية من نظمن المظاهرة واخترن شخصيات نسائية من أسر ذات ثقل تاريخي وصلات قوية بالعائلة المالكة ورجال الدولة، ليضمنّ نجاتهنّ من النسيان، وهذا ما تحقق بالفعل فقد كانت تبعة التظاهر- على انتهازيته في وقت كانت أنظار العالم تتجه فيه لهذه البقعة من العالم- أخف من تبعات مواقف سياسية حدثت في تلك الفترة الحرجة فعامين ونصف من فصل المتظاهرات من وظائفهن لا يقارن بفصل نهائي من الوظائف لمن شارك بمجرد التوقيع على مذكرة النصيحة وقتذاك، هذا إذا احتكمنا للمنهج المقارن الساذج الذي طبقته نسوة السادس من نوفمبر في كتابهن!

وهذا هو الفرق بين من تحركه وتصوغ مواقفه الإيديولوجيا، ومن تحركه وتصوغ مواقفه الموضوعية، ففي حين يغلب على الموضوعي التجرد والاتساق والإنصاف، يغلب على الإيديولوجي الانتقائية والاضطراب والتناقض، كانتقائية مؤلفتي السادس من نوفمبر المتمثلة في الاقتصار على نشر عدة أسطر من بداية الرسالة الجوابية التي أرسلها الشيخ محمد بن عثيمين-رحمه الله-ردًا على خطاب أرسلته بعض المشاركات في مظاهرة السادس من نوفمبر لفضيلته، واكتفائهما بالقول أن الشيخ "سرد بعدها 12نصيحة دينية لجميع السيدات المشاركات في المسيرة"[ص94].

والغريب أنهما لم توردا رسالة المتظاهِرات للشيخ ابن عثيمين ولا النصائح التي وجهها الشيخ لهن، بينما أوردتا ردودًا طويلة تتمحور حول تصرف الإعلامي داود الشريان في محاضرة مفرغة للشيخ سلمان العودة عن التثبت في النقل، نشرها الشريان في صحيفة (المسلمون) بوصفها موقفًا من المنشورات المسيئة للمتظاهرات آنئذ، والمثير للدهشة أن تلك الردود الممتدة على مدى (ثنتي وخمسين صفحة من الكتاب) لا تتناول جوهر الموضوع بل تناقش موقف الشريان من الشيخ العودة، وعدم إشارة الشريان لكون الكلام المنشور للشيخ في الصحيفة هو بالأصل محاضرة مفرغة سُجلت قبل سبعة أشهر من الحدث، كما ناقشت الردود المذكورة في الصحيفة تفاصيل كثيرة متناثرة ليست ذات علاقة بالمظاهرة !!!!

فهل ما جاء في كتاب صيغ بهذا الأسلوب وبدت فيه بوضوح منهجية تفكير المتظاهرات ودوافعهن يمثل المرأة السعودية بإطلاق كما حكمت المؤلفتان ؟!

لم يبقَ سوى القول أن ذكرى السادس من نوفمبر لا تعني إلا صاحباتها ومن حذون حذوهن أو شاركهن الفكر والرؤية والمنهج، ولا تعني أو تمثل المرأة السعودية (بـإطلاق)، والقول بخلاف هذا تحكمٌ وانتحالٌ وتزييفٌ للتاريخ والواقع، ولو أن نسوة السادس من نوفمبر اكتفينَ برصد تجربتهن لما خالفن الأعراف الكتابية، لكنهنّ جاوزنَ التجربة، وتطاولنَ على التاريخ، وصادرنَ صوت المرأة السعودية، ونسبنَ لها تاريخًا لا يُشرّفها ولا يضيفُ إليها.

http://lojainiat.com/c-96552

   طباعة 
1 صوت
 
 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
2 + 8 = أدخل الكود
 
 
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة

المواد المتشابهة المادة التالية
 
 
جديد المواد
جديد المواد
بين حملة إسقاط الولاية وتقرير وزارة العمل - المقـــــــــــــــــالات
من حياد الأرصفة إلى معمعة الأسفلت ! - المقـــــــــــــــــالات
 
 
القائمة الرئيسية
 

البحث
البحث في
 

القائمة البريدية

أدخل بريدك الالكتروني لتصلك آخر اخبارنا
 

عدد الزوار
انت الزائر :39045
[يتصفح الموقع حالياً [ 4
الاعضاء :0الزوار :4
تفاصيل المتواجدون