النخب المتغربة والصواب السياسي

عرض المادة
النخب المتغربة والصواب السياسي
1256 زائر
22-05-2013
ملاك الجهني

هاجس الحفاظ على الخصوصية الثقافية لم يشغل عقلاء الدول الإسلامية وحدهم كما لم يشغل عقلاء المملكة العربية السعودية -بصفة منفردة- كما يصوره من يستخفون بقضية المحافظة على خصوصيتنا الثقافية في ظل النظام العالمي الجديد والأبواب التي شرعها للاجتياح الكبير وغير المسبوق للثقافة الغربية باعتبارها الثقافة المهيمنة عالميا؛ فوثائق الحرب الثقافية السابقة بين المعسكرين الشرقي والغربي تحتفظ بعدد من الشواهد العملية في هذا الميدان، ومنها ما ذكرته الكاتبة الإنجليزية فرانسيس ستونور في كتابها (من الذي دفع للزمّار) عن توجيه وكالة المعلومات الأمريكية (USIA) الموجودة في سبع دول آنذاك بسحب ثلاثين ألف كتاب من مكتبة وزارة الخارجية الأمريكية التي يزورها سنويا ستة وثلاثين مليون إنسان، واستجابت الوزارة لذلك الطلب وتم بالفعل سحب آلاف المؤلفات لشخصيات وصفت بأنها مثيرة للجدل من الشيوعيين أو المتعاطفين معهم سواء أكانوا يحملون الجنسية الأمريكية أم جنسيات أخرى، رغم التشجيع الأمريكي المستمر لنشر حرية التعبير بين شعوب العالم.

وإذا كان للحرب الباردة ظروفها وحيثياتها التي قد تبرر السلوك السابق ثقافيًا، فما تتخذه فرنسا من إجراءات للحفاظ على الثقافة الفرنسية لا يدخل في حرب الفرقاء ثقافيا، لكنه يدخل في الإطار الأدق للموقف الأمريكي السابق وهو ما يسمى بالصواب السياسي، فانتماء فرنسا للثقافة الغربية الأم التي تفرعت عنها الثقافة الأمريكية لم يحُل دون خوفها من اضمحلال الثقافة الفرنسية وتراجعها في مستعمراتها السابقة وليس في عقر دارها وحسب فكان أن نشطت المراكز الثقافية الفرنسية والتي بلغت 1056 مركزا في 134 دولة لحماية الفرنكفونية، وبعد أن كانت الفرنسية اللغة الأولى في الصالونات الثقافية في دول العالم الثالث فشلت تلك الجهود في إغراء النخب في المستعمرات السابقة بالتمسك بالفرنسية والتوقف عن التسابق لتعلم واستخدام الإنجليزية، ومازالت تلك المراكز تناضل لاسترجاع مكانتها أو حفظ ماتبقى لها من مواقع، ومن الإجراءات التي اتخذتها فرنسا للمحافظة على ثقافتها في فرنسا نفسها إصدار قوانين وتشريعات تلزم وسائل الإعلام المختلفة ببث ما لا يقل عن 60% من الإنتاج الثقافي الفرنسي بمختلف أنواعه، ولم يُدخل هذا الإجراء ضمن فوبيا الآخر، أو المبالغة في الخوف من صغائر الأمور على الخصوصية الثقافية وفقا للأسلوب التبسيطي الذي يستخدمه البعض متسائلا ومستخفا بحجم الأثر الذي قد تتركه قراءة كتاب مخالف؟ أو مزاحمة لغة أجنبية للّغة الأصلية؟

فالموقف الأمريكي والموقف الفرنسي يعبران عن وعي بخطر اضمحلال الخصوصية الثقافية وأن اضمحلالها لا يعني الاستعاضة عنها بثقافة عالمية محايدة بل يعني التبعية لثقافة أخرى مهيمنة، والتبعية تعني مرتبة دنيا في سلَّم (القوة).

إن ما يعرفه أي مطلع على نظريات التغيّر الاجتماعي الشهيرة في سوسيولوجيا الثقافة -كنظرية (وليم أوغبرن) وغيره- يمكّنه من أن يدرك أن إجراءات الحفاظ على الخصوصيات الثقافية في ظل العولمة هي إجراءات ذات (بعد استراتيجي) وليست إجراءات اعتباطية أو مدفوعة بالخوف المرَضي من الآخر، ذلك أن التغير لا يحدث بين لحظة وضحاها، فالتغير الاجتماعي في البُنى والعلاقات يستغرق زمنا لتبرز أثاره بوضوح ويظهر أوضح ما يكون في الجيل الثالث من زمن حدوث أو إحداث التغيير.

والراصد للتغيرات الاجتماعية وبخاصة التغيرات المدفوعة بالضغوط الدولية في الدول الإسلامية يتبدى له اشتغال هذه التغييرات على مساحات محددة تتعلق غالبا بقوانين الأحوال الشخصية، وتهدف لإعادة إنتاج الثقافة الخاصة بدور المرأة في الأسرة والمجتمع، وأن تلك التغييرات تمت بقرار سياسي وبمساعدة النخب (المتنورة) أو (المتغربة) بالأصح، كما يذكر جون إل إسبوزيتو أستاذ الدين والشؤون الدولية في جامعة جورج تاون ورئيس تحرير موسوعة أكسفورد للعالم الإسلامي الحديث ويشرح ذلك بقوله:" كما هو الحال في معظم الإصلاحات الحديثة جاءت هذه الإصلاحات من جانب الدولة، وليس من جانب الشعب، وتم طرحها من الأعلى لا من الأسفل، ولم تكن منبثقة عن رغبة ومطالبة الشعب والزعماء الدينيين بل من الحكام وأقلية من نخبة المحدثين وقد شُرِّعت من الأعلى مبررة في الغالب بالاعتقاد بأن القلة المتعلمة والمتنورة (الحديثة) هي التي ترسم المستقبل للقطاع المحافظ من المجتمع الأكثر (تقليدية) والأقل تنورا".

كما أن الراصد لتحركات النخب المتغربة في السعودية يلحظ اشتغالها على التغيير في مجال المرأة بما يتفق والرؤية الغربية لا بما يسعى لمقاربة الرؤية الإسلامية بالتخلص من العوالق الاجتماعية السلبية والتي تحول أحيانا دون حصول المرأة على حقوقها التي كفلها لها الإسلام.

ففي الحفل الذي أقامته مؤسسة الوليد بن طلال الخيرية الخميس الماضي واستضافه فندق الفورسيزون ودعيت إليه ثلة من صاحبات المعالي والسمو وراعيات الجمعيات النسائية والإعلاميات وطائفة من الأكاديميات من جامعات سعودية مختلفة، وأطلقت فيه نائبة رئيس المؤسسة الأميرة أميرة الطويل مبادرتها لتمكين المرأة السعودية (هامة)، وبدت فيه الأميرة مهمومة بصورة المرأة السعودية في الخارج إذ تكررت هذه العبارة في خطابها القصير عدة مرات، بدت في هذا الحفل ملامح صورة المرأة السعودية التي تأمل الأميرة إبرازها للخارج وتسعى لإحلالها محل الصورة النمطية التي استقرت لدى الغرب، صورة ظهرت ملامحها عبر التكريم الممنوح من قبل مؤسسة الوليد، لا للمؤسسات والجمعيات التي كُرِّمت فعلا من قبلها، بل من خلال التكريم الفردي للمشاركتين في الأولمبياد: العداءة سارة عطار –التي لم تحضر لاستلام الدرع- ولاعبة الجودو وجدان شهرخاني التي احتضنتها الأميرة بدرجة من الحرارة والحفاوة لم تحظ بها ممثلات الجمعيات.

ومن المثير للتساؤل أن المؤسسة التي أطلقت مبادرتها احتفاء بالكفاءات السعودية وتهدف لتأهيل الجيل الثاني من القياديات، لم تجد في السعوديات من تستحق التكريم لإنجازاتها (غير الرياضية) !

رغم أن كلاً من المشاركتين لم تتصدر المراتب الأولى في الأولمبياد ولم تحقق سبقا للوطن كما حققت ذلك بعض السعوديات في مجالات شتى منها تخصصات علمية دقيقة لتُفردا بالاحتفاء والتكريم دونا عنهن، أم أنه كان تكريما لمجرد كسر الطوق الاجتماعي بل الشرعي ممثلا بحكم مشاركة المرأة في الألعاب الأولمبية !

إن تمرير التغريب عبر منافذ نسائية متنفذة وبحلة إسلامية رقيقة جدًا وملأى بالخروق هو ما سيتم وفقا لهذه الصورة التي استدعيت فيها الدكتورة سهيلة زين العابدين لتلقي خطابا طويلا وحماسيا عن ( تمكين المرأة في الإسلام )، خطاب امتلأ بالمغالطات والاستدلالات المتهافتة وأعادت فيه الدكتورة طرح مطالبتها بتمثيل النساء في مجلس الشورى بنفس نسبتهن في المجتمع وبشّرت فيه باقتحام النساء لانتخابات المجالس البلدية قريبا.

إن توظيف الإسلام من طرف النخب المتغربة في تمرير المشروعات التغريبية ليس بالجديد، بل هو آلية معروفة ومكرورة واستخدام ذرائعي قديم لا يستر عورة التغريب، ودوره الوحيد مخاتلة الوعي وإضعاف الممانعة الاجتماعية، وإلا فما الفرق بين حضور رأي الإسلام في التأصيل للمفهوم الأممي لمصطلح (تمكين المرأة) داخل قاعة الحفل، وغياب رأي الإسلام في اطِّلاع الرجال على موظفات ومنسوبات المؤسسة اليافعات في بهو الاستقبال ومحادثتهن وهنّ يرتدين البنطال الضيق (سكيني) والفساتين القصيرة بطول (الميني جوب)؟ فالفاصل الحِسي بين القاعة التي كان يجلجل فيها صوت الدكتورة سهيلة باسم الإسلام الذي صادره (الذكور)، والبهو الذي تتهادى فيه جواري مؤسسة الوليد نابذات للحجاب هو مجرد باب ( مفتوح ) !

إن ما تقوم به النُخب المتغربة لا يمت بصلة للمكون الأهم لثقافتنا (الإسلام)،كما لا يمت بصلة للصواب السياسي الذي دفع بعض الدول لاتخاذ إجراءات صارمة للمحافظة على ثقافتها حفظا لثقلها في ميزان القوى، والمحافظة على هويتنا الثقافية واجبٌ ديني قبل أن يكون مصلحةً وطنية، وما تسعى إليه النُخب هو إضعاف الهوية للتماهى مع الغرب ثقافيا، وكل ما تسبقيه لنا من أوهام الخصوصية الثقافية مجرد لافتات براقة لهوية ثقافية منخورة وخاوية من الداخل، تنحصر فيها الخصوصية في الزي الشعبي (الجلابية) و(الكليجا) و(الدلّة) و(المشغولات اليدوية من بقايا خباء قديم)....لا أكثر !

http://lojainiat.com/c-94094

   طباعة 
1 صوت
 
 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
2 + 2 = أدخل الكود
 
 
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة

المواد المتشابهة المادة التالية
 
 
جديد المواد
جديد المواد
بين حملة إسقاط الولاية وتقرير وزارة العمل - المقـــــــــــــــــالات
من حياد الأرصفة إلى معمعة الأسفلت ! - المقـــــــــــــــــالات
 
 
القائمة الرئيسية
 

البحث
البحث في
 

القائمة البريدية

أدخل بريدك الالكتروني لتصلك آخر اخبارنا
 

عدد الزوار
انت الزائر :43311
[يتصفح الموقع حالياً [ 3
الاعضاء :0الزوار :3
تفاصيل المتواجدون