القراءة عكس السطر..المرأة السعودية ووعي المرحلة

عرض المادة
القراءة عكس السطر..المرأة السعودية ووعي المرحلة
1141 زائر
22-05-2013
ملاك الجهني

عقَد الملتقى الثقافي في قاعة المقصورة للمؤتمرات في السنة الماضية-وبرعاية كرسي الشيخ عبدالرحمن الراجحي لأبحاث المرأة -ندوة بعنوان:(مشاركة المرأة السعودية في المجالس التنظيمية:مجلس الشورى أنموذجا) واستضافت الندوة كل من الدكتور عبد العزيز الثنيان العضو السابق بمجلس الشورى ومستشارتي المجلس الدكتورة نورة العدوان والدكتورة وفاء طيبة.

وخلال التعقيب على إحدى المداخلات التي صورت دخول المرأة للمجلس وكأنه انتصارٌ أنثوي ساحق... لفتت الدكتوره نورة العدوان النظر لفكرة الصراع بين المرأة والرجل وتموضعها غير المنطقي في الخطاب النسوي السعودي.

وأفادت الدكتوره من واقع خبرتها العملية في هذا المجال أن من زار المملكة من الوفود الأجنبية وتنقّل في قطاعات التعليم، واطّلع على أعداد عضوات التدريس، والملتحقات بالسلك الإدراي، ومستوى الكفاءات النسائية السعودية في هذه القطاعات يعجب للسلاسة التي حصلت من خلالها المرأة على كل تلك المكاسب في مجتمع يعدُ من أكثر المجتمعات تمييزا ضد المرأة (بالمقياس الثقافي الغربي)، مشيرة إلى أن المرأة السعودية حصدت هذه المكاسب بوصفها حقا طبيعيا لها وبعيدا عن فكرة الصراع بين الجنسين كما هو الحال في الغرب.

والواقع أن تجربة المرأة السعودية -مع الاعتراف بقصورها وحاجتها المستمرة للتحسين والتطوير-لا تُشكل خروجا عن المسار العام لتجربة المرأة الغربية فقط، بل خروجا عن مسار المرأة العربية بعامة مما يؤكد على تميز هذه التجربة أصالة ومعاصرة، فالسياق الثقافي الذي حققت فيه المرأة العربية المعاصرة مكاسبها وعلى رأسها المكاسب التعليمية كان سياقا تغريبيا اشتبك فيه موضوع المرأة بسؤال النهضة العربية وعُدّ حلقة مركزية فيه، وقد حاول الكاتب الليبرالي المغربي كمال عبداللطيف في مؤلَفه (المرأة في الفكر العربي المعاصر) مقاربة نمط حضور قضايا المرأة في الفكر العربي المعاصر بإجراء تحقيب نظري تاريخي يرصد ملامح هذا الحضور ويضبط مساراته ويعين على فهمٍ أشمل لماذكرنا، واقترح الكاتب لهذا التحقيب ثلاثة عناوين كبرى، هي:

1- لحظة إدراك الفارق، وتعكس هذه اللحظة كيفية تمثّل النخب للفوارق القائمة بين أحوال المرأة في العالم العربي وأحوالها في العالم المتقدم، وتمثّلت في كتابي رفاعة الطهطاوي (تخليص الإبريز في وصف باريس) و(المرشد الأمين في تربية البنات والبنين)، ورغم احتفاء الخطاب العلماني المتكرر بهذين الكتابين واعتبارهما باكورة الأعمال التحريرية للمرأة وُصفت كتابات الطهطاوي بأنها" لا تتجاوز عتبة الإرهاص العام بمطلب التغيير وهي عتبة لم تستطع التخلص من اللغة التقليدية ولامن المأثور (الوسيطي) الذي مارس حضورا قويا في نص ( المرشد الأمين ) ".

2- لحظة وعي التحول والتغيير وحتميته، وتبلورت في كتابات من أسماهم المؤلف بـ(المصلحين) الذين دعوا لتغيير أوضاع المرأة العربية بما يتسق مع ماحققته المرأة الغربية من تقدم، ويمثَل لهذه اللحظة بأعمال قاسم أمين، والطاهر الحداد، ومن دافع عن أطروحاتهم كفرح أنطون وسلامة موسى ولطفي السيد وغيرهم، وبحسب المؤلف فقد حقق كتاب قاسم أمين (تحرير المرأة) امتيازا عما كتبه الطهطاوي من حيث تعيين أمين لملامح التغيير، ومتغير التعليم، ومتغير الأسرة والزواج بمنطق آخر في التحليل عمّق وعمّم الدعاوى الإصلاحية العامة في خطاب الطهطاوي.

3- لحظة المأسسة، وتمثّلت في الأوضاع التي فعّلت مطالبات اللحظة التحررية السابقة ومنحت موضوع المرأة صور التغيير الحاصلة فيه، فيما يتعلق بالقوانين المنظمة للأسرة، والقوانين التي تتيح للمرأة المشاركة في الحياة السياسية، والتي هي استجابة إجرائية لقيم الثقافة الغربية المجسدة في وثائق الأمم المتحدة في هذا الشأن.

وبالنظر للتحقيب السابق والذي وضّح السياقات الثقافية والتاريخية التي شكّلت تجربة المرأة العربية وابتدأت بالدعوة إلى تعليم المرأة ومارافقها من دعوات شرعنت الاختلاط والتخفف من الحجاب وامتدت لنبذ مايعارض هذه الرؤية ووصمه بالتخلف، وتمكنت من إحداث تغيير ملموس في القوانين المتعلقة بالمرأة والأسرة بحركية متدرجة جارت النموذج الثقافي الغربي ومازالت تسعى لتوسيع قيم التحرر وفقا لذلك النموذج.. وبمقابلة هذه التجربة بتجربة المرأة السعودية منذ تشكّلها الأول وحتى اللحظة الراهنة نلحظ بل نقطع بأن التجربة السعودية سلكت مسارا خاصا بها غير مرتهن للسياق السابق -وإن كانت تأثرت به بطبيعة الحال-وقد أشار الدكتور عبدالله السدحان لشيء من هذا التأثر في كتابه (مقاومة التغيير في المجتمع السعودي افتتاح مدارس تعليم البنات أنموذجا) وضرب أمثلة موثقة للصدى الذي أوجدته الكتابات العربية السابقة في خطاب تلك المرحلة وتبدّى في دعوة بعض الكتاب السعوديين لاتباع النهج التحرري مما أوجد حالة من التحفظ تجاه تعليم المرأة، وأوضح ذلك بقوله:"أن الرصد التاريخي والاستقراء العام يظهر نتيجة مفادها، أن الدعوة إلى تعليم النساء في الدول المجاورة مثل مصر والشام ارتبط ارتباطا وثيقا مع الكتابات التي تنادي بالمساواة بين المرأة والرجل في جميع مناحيها، ومن ذلك تخلي المرأة عن حجابها أو ما يسمى تجاوزا تحرير المرأة من وجهة نظر الداعين إليه".

ورغم ما عززته الكتابات المندرجة في الاتجاه التحرري من ممانعة اجتماعية واعية تجاه تعليم المرأة في ذلك الحين إلا لم تحل دونه، ويرجع السبب الرئيس للمضي في هذا المشروع إلى تعهد القائمين عليه ممن كانوا يملكون زمام القرار آنذاك بعدم انفكاك تعليم المرأة عن الالتزام بالأحكام الشرعية، ويمكن تسمية هذه الحقبة في تاريخنا السعودي بلحظة وعي التمييز، بين التعليم بوصفه متغيرا يسهم في تحسين وضع المرأة في إطار الشريعة، والتعليم بوصفه متغيرا يسهم في تغيير أوضاع المرأة في إطار الثقافة الغربية ولصالح قيمها.

وبمأسسة هذا الوعي اتخذ التعليم السعودي مساره الخاص ونتج عنه نظام تعليمي تميز باستقلاليته في الجانب الإداري والتنفيذي وكانت التجربة السعودية آنذاك هي الوحيدة على مستوى العالم.

الوصول لهذه النقطة التاريخية والتي مثّلت نقطة افتراق ميّزت مسارنا التعليمي إلى اليوم، والنظر في الوقت نفسه لماحدث مؤخرا من محاولة فرض الاختلاط في التعليم هو أشبه بالقراءة عكس السطر بوصفها فعلا مرتبكا وفاقدا للتسلسل المنطقي للأحداث، فمأسسة الاختلاط-في كاوست مثلا- سبقت مقدماتها النظرية المفترضة، فتمّت المأسسة ثم تبعها التسويغ النظري، والمسوغون عالة على تركة عبدالحليم أبي شقة إذ ليس لهم أي مجهود فكري له ثقله ويحسب في هذا الجانب، مما يشير إلى أن لحظة (وعي التحول وحتمية التغيير) في التحقيب النظري السابق يقابلها فراغ تنظيري في الحالة السعودية. يزيد في اتساع هذا الفراغ وعمقه ما استقر في وعي السعوديين من عدم التلازم بين التحديث والتغريب وامتلاكهم تجربة رائدة تشهد لهذا الأمر مما يفسر اللجوء لمنطق الإكراه عوضا عن محاولة الإقناع في الحادثة الأخيرة ! ورغم أهمية الدلالات الكاوستية في قراءة المشهد السعودي باعتبارها سابقة فريدة من نوعها، تكاد تكون كاوست جزيرة معزولة منفصلة عن نسيجنا الثقافي شبه غائبة عن وعينا الجمعي، كما أنها لم تُحدث أثرا كالذي أحدثته المحاولة القسرية لفرض الاختلاط في جامعة نورة من الناحيتين العملية والرمزية، والتي مثّلت انقلابا مباشرا على مكاسب المرأة التعليمية، واعتداءا سافرا على تنمية مداركها في ظل الشريعة، وشكلا صريحا من أشكال الإلحاق الحضاري بالآخر، رغم ماسجلته تجربة الآخر من فارق جليّ في منعطف التغيير ذلك أن المطالبات التي نشأت في الغرب لتحرير المرأة والتغييرات التي تبعتها كانت برغبة وثورة وقرار نسائي ابتدر التغيير، على عكس ماحدث لحركة تحرير المرأة العربية والتي دشّن لها الرجال أولاً ثم النساء -بحسب ماذكرته ليلى أحمد في كتابها (الإسلام والجنسانية)-وعلى عكس ماحدث أيضاً في جامعة نورة والذي تمّ بقرار رجالي بحت عمِد إلى مصادمة قناعات المرأة، وكبت حريتها، ومصادرة قرارها، ومحاولة سوقها لحظيرة القيم الغربية سوقا جبريا، مما يخفي بُعدا نفعياً للحادثة.

ولئن غابت المرأة في بداية التعليم عن مداولات الرأي حول تعليمها لسبب أو لآخر فهي حاضرة الآن وبمختلف مستويات الوعي، وصمت الأغلبية النسائية تجاه ما حدث لا يعني موافقتها عليه، كما أن اتخاذ موقف سلبي من رأي الأغلبية الصامتة والتي هي أشبه حالا بأهل القبور في قبورهم لا يُدرى أمنعمون هم أم معذبون لم يعد مقبولا، وفرض الاختلاط عليها دون أدنى مراعاة لقيمها أو تقديرٍ لوجهة نظرها أو حتى محاولة استعراضها، ولو بالوسائل الإجرائية الغربية المعهودة كالاستفتاء والتصويت وغيرها، يُظهر مدى زيف الدعاوى التغريبية المنحازة في ظاهرها للمرأة ويؤكد على قمعية الساعين إلى تطبيع الاختلاط، وعدم اكتراثهم بمطالباتها، وتخلفهم عن قيم العقلانية الغربية نفسها.

http://mokhtsar-sa.com/node/8864

   طباعة 
1 صوت
 
 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
6 + 9 = أدخل الكود
 
 
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة

المواد المتشابهة المادة التالية
 
 
جديد المواد
جديد المواد
بين حملة إسقاط الولاية وتقرير وزارة العمل - المقـــــــــــــــــالات
من حياد الأرصفة إلى معمعة الأسفلت ! - المقـــــــــــــــــالات
 
 
القائمة الرئيسية
 

البحث
البحث في
 

القائمة البريدية

أدخل بريدك الالكتروني لتصلك آخر اخبارنا
 

عدد الزوار
انت الزائر :41096
[يتصفح الموقع حالياً [ 3
الاعضاء :0الزوار :3
تفاصيل المتواجدون